وبالنسبة إلى ما ذكره الواعظ في المقارنة بين الدينين: دين محمد ودين عيسى، وما جاء به هذان العظيمان، نقول إننا لا نختلف معه كثيرا فيما قاله من أن"وحي محمد أتى بكتاب: القرآن والشريعة، أما خلاصة الوحي للمسيح فهي ذاته لأن إنجيله ليس شريعة بل إعلان حياته وأقواله ووصف شخصيته". ذلك أن الإسلام شريعة وليس مجرد عبادة أو مجموعة من الأخلاق، وهذه الشريعة تغطى كل جوانب الحياة وأنشطة الحضارة البشرية كما هو معلوم، أما دين عيسى فلا يعدو بعض الوعظيات المغرقة في المثالية والتى لا تصلح لأى بناء اجتماعى أو حضارى على الإطلاق. ومن هنا نفهم تأكيد السيد المسيح بأن مملكته ليست من هذا العالم، فهى عبارة صادقة، إذ إن ما نسبه إليه مؤلفو الأناجيل من مواعظ أخلاقية هى كلمات لا تسمن ولا تغنى من جوع، كما أن التصرفات المضافة له هناك من شأنها أن تقوض المجتمعات التى تحاول أن ترتكن إليها: فمثلا كيف يقوم مجتمع أو حضارة على نبذ العمل والمال تماما طبقا لما كان عيسى يأمر به أتباعه؟ أو كيف يقوم مجتمع أو حضارة على أساس التسليم للمجرمين لا بما يريدون فقط بل بأزيد مما كانوا يحلمون بحيث إذا هاجمك لص مثلا وأراد غَصْبك رداءك فعليك أن تتنازل له عن الإزار أيضا... إلى آخر ما نعرفه عن موعظة الجبل وما يشبهها من الكلام المنمَّق الجميل في الأناجيل الذى لا يؤكّل عيشا. وبالمناسبة فالإزار هو قطعة الملابس التى تغطى الجزء الأسفل من الجسم، ومن هنا يرانى القارئ أقول دائما إن عليه في هذه الحالة أن يمشى"بلبوصا"! ومعنى هذا أن من يهاجم رجلا يتمشى على شاطئ النيل بصحبة امرأته وابنته وخطف منه البنت"وطلع يجرى"أن ينادى عليه ويعطيه امرأته أيضا، ثم يخلع هدومه ويتسلق سور النيل ويلقى بنفسه في اليم فبغرق ويستريح.