والآن هل يستطيع عاقل أن يجد في تلك الآيات أى كلام أو حتى مجرد إشارة إلى التجسد، أو أى شىء يمكن أن يفهم منه، ولو على سبيل التوهم من بعيد، أن الله قد علم عيسى التوراة والإنجيل وهو لا يزال في بطن أمه؟ ترى هل في بطون الأمهات كتاتيب ورياض أطفال ومدارس وجامعات؟ ليس في النص أى شىء يستدل به على أن ذلك التعليم تم قبل ولادة عيسى عليه السلام، بل النص واضح الدلالة على أن وجاهته وتكليمه الناس في المهد وفى الكهولة وتعليمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإرساله إلى بنى إسرائيل، كل ذلك سوف يتم بعد ولادته. ولنلاحظ، فيما يخص تعليمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل، أنه معطوف على تكليمه الناس في المهد وفى الكهولة، وتكليمه الناس في المهد وكهلا لم يتم إلا بعد نزوله بطن أمه، كما أن الفعل هنا هو نفسه هناك، ألا وهو الفعل المضارع بما لا يمكن أن يقال معه إن لكل من الأمرين زمنا خاصا يختلف عن زمن وقوع الآخر، كما أن المضارع لا يدل على الزمان الماضى في مثل هذا السياق أبدا. وهذا كله مما يستحيل معه أن يكون تعليم الله لعيسى الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل قد تم وهو لا يزال في عالم الرحم ولم ينزل إلى الدنيا! ثم كيف يتم تعليم قبل أن يوجد المتعلم؟ إن هذا لهو المستحيل بعينه. لا بد أن يوجد المتعلم أولا ليكون ثَمّ تعليمٌ ثانيا. هذه بديهية لا يغتفر تجاهلها! لكن متى كان القوم يراعون البديهيات أو يحترمون المنطقيات؟