فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 50 من 240

ومما يحاول الواعظ النصرانى أن يميز به بين السيد المسيح وزملائه الأنبياء قوله:"يشهد القرآن أن لكل الأنبياء والرسل خطايا معينة، ويذكر الأخطاء لبعضهم ما عدا المسيح، فكان دائمًا بريئًا وطاهرًا". ولقد كنا نود لو أنه ذكر الخطايا التى ادعى أن القرآن سجلها على الأنبياء، لكنه لم يفعل، وهو لم يفعل لأنه لا يذكر الحقيقة، لا نقول: كذبا منه وبهتانا، بل نقول: نسيانا منه أو خلطا بين القرآن والكتاب المقدس، الذى ينسب لهم كل طامّة وطامّة من النوع الثقيل الذى لا يحتمل، وكأن الأنبياء والرسل هم عصابة من المجرمين العتاة: فمنهم القاتل، ومنهم الزانى، ومنهم السِّكّير، ومنهم المخادع، ومنهم مُضاجِع المحارم، ومنهم المشارك في الوثنية، ومنهم المُهَئُِّ جوها ومباركها لمن يريد ممارستها من زوجاته، ومنهم من يَنْظِم الغزل الشهوانى الفاجر الداعر، ومنهم من يجدّف في حق الله... وهلم جرا، بخلاف القرآن، الذى لم يذكر شيئا إلا عن موسى حين قتل المصرى عن غير عمد واستغفر ربه في الحال فغفر له جل وعلا، وإلا ما قاله في حق ذى النون عندما ضاق ذرعا بقومه يأسا من صلاح حالهم فتركهم ومضى، فكانت النتيجة أن التقمه الحوت حيث بقى في بطنه يعانى بُرَحاء الهم والكرب إلى أن تجلى الله عليه برحمته. وهذه أو تلك، كما نرى، ليست خطيئة، إذ إن قَتْل المصرى لم يكن مقصودا، بل كان على سبيل الخطإ، وتدارَك موسى الأمر في الحال فاستغفر ربه من أعماق قلبه نادما مرتجفا مستعيذا بالله من الشيطان الرجيم عازما على أن يكون أكثر تنبها في المرات القادمات وألا يكون ظهيرا للكافرين البتة. وكان الله عند حسن ظنه به فغفر له لمعرفته سبحانه أنه غير ملوم. كما أن ذا النون لم يقترف خطيئة ولا خطأ، بل كل ما وقع منه أنه ترك قومه يأسا منهم بعدما ذاق الأمرين في دعوتهم إلى دينه دون ثمرة، وكان ينبغى ألا يفارقهم إلا بعد أن يأذن الله له. وهذا كل ما هنالك، فلا خطيئة إذن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت