الخصلة الثانية: ألا تكون همّتك في وعظك أن ينفر الخلق في مجلسك ويظهروا الوجد، ويشقوا الثياب، ليقال: نعم المجلس هذا؛ لأن كله ميل للدنيا والرياء، وهو يتولد من الغفلة، بل ينبغي أن يكون عزمك وهمّتك أن تدعو الناس من الدنيا الى الآخرة، ومن المعصية الى الطاعة، ومن الحرص الى الزهد، ومن البخل الى السخاء، ومن الغرور الى التقوى، وتحبب إليهم الآخرة، وتبغّض إليهم الدنيا، وتعلمهم علم العبادة والزهد؛ لأن الغالب على طباعهم الزيغ عن نهج الشرع، والسعي فيما لا يرضى الله تعالى به، والاشتغال بالأخلاق الرّدية، فألق في قلوبهم الرعب، وروّعهم، وحذرهم عما يساقبلون من المخاوف؛ لعل صفات باطنهم تتغير، ومعاملة ظاهرهم تتبدل، ويظهروا الحرص والرغبة في الطاعة والرجوع عن المعصية، وهذا طريق الوعظ والنصيحة، وكل وعظ لا يكون هكذا فهو وبال على من قال ويسمع، بل قيل: إنه غول وشيطان، يذهب بالخلق عن الطريق ويهلكهم، فيجب عليهم أن يفروا منه؛ لأن ما يفسد هذا القائل من دينهم، لا يستطيع بمثله الشيطان، ومن كان له يد وقدرة يجب عليه أن ينزله عن منابر المسلمين ويمنعه عما باشره، فإنه من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والثالث مما تدع: أنه لا تخالط الأمرء والسلاطين ولا ترهم، لأن رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم آفة عظيمة، ولو ابتليت بها دع عنك مدحهم وثناءهم، لأن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق والظالم، ومن دعا لطول بقائهم فقد أحبّ أن يعصى الله في أرضه.