ثم اعلم أن التصوف له خصلتان: الاستقامة، والسكون عن الخلق، فمن استقام وأحسن خلقه بالناس وعاملهم بالحلم فهو"صوفي".
والاستقامة أن يفدي حظ نفسه لنفسه.
وحسن الخلق مع الناس: ألا تحمل الناس على مراد نفسك، بل تحمل نفسك على مرادهم ما لم يخالفوا الشرع.
ثم إنك سألتني عن العبودية وهي ثلاثة أشياء:
أحدها: محافظة أمر الشرع.
وثانيها: الرضاء بالقضاء والقدر وقسمة الله تعالى.
وثالثها: ترك رضاء نفسك في طلب رضاء الله تعالى.
وسألتني عن التوكل؟
وهو أن تستحكم اعتقادك بالله تعالى فيما وعد، يعني تعتقد أن ما قدر لك سيصل إليك لا محالة وإن اجتهد كل من في العالم على صرفه عنك، وما لم يكتب لك لن يصل إليك، وإن ساعدك جميع العالم.
وسألتني عن الإخلاص؟
وهو أن تكون أعمالك كلها لله تعالى، ولا يرتاح قلبك بمحامد الناس، ولا تبالي بمذمتهم.
واعلم أن الرياء يتولد من تعظيم الخلق.
وعلاجه أن تراهم مسخرين تحت القدرة، وتحسبهم كالجمادات في عدم قدرة إيصال الراحة والمشقة لتخلص من مراياتهم. ومتى تحسبهم ذوي قدرة وإرادة لن يبعد عنك الرياء.
والباقي من مسائلك بعضها مسطور في مصنفاتي، فاطلبه ثمّة: وكتابة بعضها حرام، اعمل أنت بما تعلم، لينكشف لك ما لم تعلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم"قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1\71: أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه.
بعد اليوم لا تسألني ما أشكل عليك إلا بلسان الجنان، قال تعالى: { ولوأنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم}
واقبل نصيحة الخضر عليه السلام حين قال: { فلا تسئلني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا}
ولا تستعجل حتى تبلغ أوانه يكشف لك وتره: { سأوريكم آياتي فلا تستعجلون} .
فلا تسألني قبل الوقت وتيقن أنك لا تصل إلا بالسير لقوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا} .