فمن أين جاءَهم هذا التفريق الذي لم يأْذن به اللَّه، وما أَنزل به من سلطان، ولو كان مما أذن به لأنزل به سلطانًا يُفصِحُ عنه، ويطرد به الرَّيب واللَّبس، وإذ لم يكن شيءٌ من ذلك، فمن أين يكون لهذا التقسيم مكانٌ، في كلام اللَّه المبين، وهو كلام لا يصلح معه إلا أن يقرأ، بسهولته، ويسره، ووضوحه، وسلامته، وصحّته، وكماله، معًا، وهذه كلّها مما يقتضيها كلام اللَّه الرحيم الرحمن، وغيره هو التكلُّفُ، والتجوُّظُ، والتَّنطُّعُ، والبهتان، فما أيسر أن تقرأَ مثل قوله سبحانه: (( إنّ الذين آمنوا وعملوا الصّالحات إنّا لا نُضيعُ أجرَ مَنْ أحسنَ عملًا ) )ـ وما أكثر الآياتِ التي يُقْرن فيها بين الإيمان والعمل ـ فلا نزيد على حروفها، ولا ننقص منها حين نريد أن نتأوَّلَها، فالإيمان في لغة العَرب هو الإيمان المرادُ للَّه سبحانه، يطابقه العمل بمعناه أيضًا في لغة العرب على مراده سبحانه، والتفريق بين الإيمان وبين العمل ـ أدنى تفريق ـ ينزل العمل عن الإيمان، أو الإيمان عن العمل، وهذا ـ وبلا شكٍّ ـ مع الأيام يؤدِّي إلى سماجة ـ لا في المعنى فحسب، بل ويُصيب القرآن، بما أُصيب به، من التحريف الباطل، والاضطراب المُخِلِّ، والزَّيغ المُفسِد المُبطل، كما صنعَ أرباب الفرَق الجاسية، التي جعلت لنفسها بتأْويلها كتاب اللَّه أديانًا غير الإسلام، ولم ترتضِ إلا الإباق من التوحيد الخالص· وإذا كان هذا ما يصير إليه القرآن، فقد دخل في مضمار التوراة والإنجيل، ويكون تكذيبًا به لصريح القرآن، وإبطالًا لصواب الحقّ الذي بُعث به نبيّه، وإذهابًا لجماله وجلاله، وإزهاقًا لحفظه وتمامه، وهل كفرٌ بعد هذا من كفرٍ أعظمَ وأسوأَ وأكفرَ من هذا الكفر؟!
بل وفيه منافاة لصفات القرآن