3)قال أبو عبد الله القرطبي المالكي المتوفى سنة (671هـ) في تفسيره للآية السابقة {حتى } غاية للتبيين ولا يصح أن يقع التبين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدرٌ واخْتُلِفَ في الحَدِّ الذي بتبينه يجب الإمساك فقال الجمهور ذلك الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة وبهذا جاءت الأخبار ومضت عليه الأمصار ثم ذكر القرطبي ما تيسر له من الأحاديث ثم قال وقالت طائفة ذلك بعد طلوع الفجر وتبينه في الطرق والبيوت ثم قال رحمه الله تعالى وسُمِيَّ الفجر خيطا لأن ما يبدو من البياض يُرى ممتدا كالخيط قال الشاعر
الخيط الاَبيض ضوء الصبح منفلقٌ ... والخيط الاَسود جُنْحُ الليل مكتومُ
والخيط في كلامهم عبارة عن اللون والفجر مصدر فجرت الماء أفجره فجرا إذا جرى وانبعث وأصله الشق فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها فجر لانبعاث ضوئه وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر تسميه العرب الخيط الأبيض كما بيّنا قال أبو دواد الإيادي
فلما أضاءت لنا سُدْفةٌ ... ولاح من الصبح خيط أنارا
وقال آخر
قد كاد يبدو أو بدت تباشِرُهْ ... وسدف الليل البهيم ساترُهْ
وقد تسميه أيضا الصديع ومنه قولهم انصدع الفجر قال بشر بن أبي خازم أو عمرو ابن معدي كرب
به السرحان مفترشًا يديه كأن بياض لبته صديع
وشبهه الشَمَّاخ بمفرق الرأس فقال
إذا ما الليل كان الصبح فيه ... أشق كمَفْرَق الرأس الدهين
ويقولون في الأمر الواضح هذا كفلق الصبح وكانبلاج الفجر وتباشير الصبح قال الشاعر
فوردت قبل انبلاج الفجر ... وابن ذكاء كامن في كَفر
انتهى كلام القرطبي رحمه الله
قلت وكلام القرطبي من قوله وهو أول بياض النهار إلى آخر كلامه المنقول هو كلام ابن عبد البر في التمهيد فليته عزاه إليه فمن بركة العلم عزوه لأهله راجع التمهيد النسخة المغربية (4/335-336) وهداية المستفيد (1/89-90)