فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 55

أجفلني اتّهامه، وكنت أحاول إخفاء ما أنا به. كان جميلًا وبريئًا، وكان صوتي حزينًا، وكنت أشتاق لوجوده، فقد زيّن حياتي بخياله وخططه وأحلامه. فكّرت بتهوين الأمر عليه، وتبسيط الأمور، قرّرت سرد قصص عن أطفال يموت آباؤهم، وأطفال تموت أمّهاتهم. وفكّرت بحديث عن أطفال مشرّدين، وعمّا يحدث أمام أعيننا في كل مكان. تمنّيت لو أستطيع تشكيل صورة حقيقية لما في هذا العالم من أحزان، فهناك أمور كثيرة تنتظر لحظة الانعتاق، لتعيد تشكيل الحياة بصدق ومن جديد.

كان للطفل عالمه الذي يبعده عن كل ما يحدث. عالم طفل يلهو بزقزقة العصافير أو ملاحقة الفراشات، وما زال يحلم بالفرح والحب، وسرد الحكايا في المساء، وما زال ينتظر تحقيق الوعود الجميلة. ربما يحلم بنزهة في مكان ما، أو يبحث عن لعبة صنعها خياله الجميل، أو ربما فكّر بمعاكسة أمه التي ستؤنّبه حتمًا، كما يحدث في كل مرة، وقد يحاول الهرب منها. يتوارى عن عينيها. تبحث عنه. يختبئ. تلحق به. إنّه طفل شقي. يضحك ويرتمي في أحضانها ينتظر عناقها المعتاد.

لا أدري لماذا التصق بي أكثر. شعرت برغبة في عناقه، وتحقيق أمومتي المفقودة. كان جسده ينبض ألمًا، وكانت دمعته تترقرق على خدّه الذابل، وفي صوته بحّة حزن، وكنت تلك اللحظة ألملم نفسي. أواري خجلي. أبحث عن ثغرة للهروب، وأعترف بيني وبين نفسي، بأنني قد ألحقت الضرر به. لعنت فكرة الكتابة، وفكرة الموت اللتين نغّصتا حياة طفل، أحببته منذ ولادته الأولى. طويت أوراقي بهدوء، وخرجت ثانية إلى الشرفة.

جميل كل شيء. فكّرت بهذا وأنا أراقب الشجرة الباسقة التي أحبها، والتي أعدّ أغصانها المتفرّعة بين الفينة والفينة، وألاحق عصافيرها حين تأوي إليها مساء، وأسمع زقزقاتها وهي تبكر منطلقة إلى السماء الواسعة. شعرت بالراحة. لقد أبعدتني الطبيعة عن أجواء القلق ومشاعر الذنب. بدت الأمور مبسّطة. كل شيء تطويه الساعات والأيام والزمن.

لا أدري لماذا هيئ لي أن الطفل بصحبتي.. فكّرت. لا بأس بذلك، فأنا في حالة من هدوء، وأستطيع نقله إلى أجوائي وإبعاده عن الذكرى، وحين تأكّدت من وجوده، ابتسمت له وأنا أفكّر، كيف سأبتدئ الحديث معه؟ وما الذي سأقوله؟ هل أحدّثه عن الأمس أم عن اليوم أو عن الغد؟ أم؟ تذكّرت فجأة من أنه بلا اسم، فقلت وكأنني ألقاه للتوّ:

ـ قل لي ما اسمك؟ أنا لا أعرفه.

لم يرد، أو أنه فهم قصدي. فقد جدّد اتّهامه هذه المرة معلّقًا بثقة وهو يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت