فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 55

ـ ولا تعرفين أيضًا ما يحبه الأطفال.

تذكّرت بأنني لم أنجب، وأنه الطفل الوحيد الذي تمنّيت وجوده، فهل حقًّا لم أحبه؟ أو أنني أجهل ما كان يحبه؟ كان ينظر إليّ بثقة. خفت وأنا أمسّد فوق رأسه وأقول جادّة:

ـ سأعرف.. لكن.. صدّقني.. إنها قصّة فوق ورق. كتبتها لأنني لا أحب أن تتحقّق أبدًا.

ـ لكنني خائف.

مسحت فوق جبهته ثانية. قلت:

ـ ما الذي تريده و سأفعله.

برقت عيناه. نظر إليّ بتوسّل. قال جادًّا:

ـ أعيدي الحياة لأمي.

وجدت نفسي في ذهول. هذا الطفل يمنحني المقدرة على العطاء. يدفعني دون أن أدري لتشكيل الفرح والحب الغافيين. لأول مرة أشعر برغبة فائقة لمتابعة الحياة، وباندفاع من أجل الاستمرار، فبيدي إعادة البسمة لوجه طفل جميل، بيدي إعادة الحياة لعالمه الذي أحبه ولا يرغب باستبداله، بيدي استعادة البهجة وإضفاء الفرح على حياته. كنت قد قرّرت القيام بفعل مجد، ولكي يصدّق وعدي. أمسكت أوراق حلم، ورحت أمزّقها ورقة ورقة، وأنا أراقب وجهه الطافح بالبشر.

لم أحزن لفقداني أوراق (حلم) . حزنت لأن الطفل الذي أحببته كثيرًا قد رحل. فتّشت عنه تلك الليلة. كان قد غاب عن عيني تمامًا، وأيقنت للحال بأنه لن يعود وأنني لن أراه بعد الآن.

وأنا أنهض بتثاقل، كنت أتذكّر المسؤول الثقافي، الذي حتمًا قد نسي قصّتي ومقاسها، وانشغل بعشرات القصص المتراكمة أمامه.

يجب ألاّ أحزن، فكّرت بهذا، فقد لبّيت للطفل رغبته الجميلة، في وقت كنت واثقة من عجزي في تفصيل قصّة بمقاس ما.

لملمت نفسي بتخاذل، ورحت أستعدّ لتلبية رغبة زوجي، بطبق الطعام الصحّي، الذي اقترب موعد تحضيره.

رسالة لم ترسل

اتجهت نحو مركز البريد والرسالة المطوّلة بين يديها، وكعادتها كانت تسترجع ما كتبته، علّها تشعر بوقع الكلمات حين سيقرؤها (ماهر) ، ويستشف من خلال الفقرات، ذلك الصدى الذي أرادت نقله إليه، فهي تحبه وتحلم أن يحملها معه، ويطير إلى أي بقعة في الأرض. يعيشان الحياة بحلوها ومرّها. ينجبان الأطفال. يتشاركان في السرّاء والضرّاء. ستعمل معه ويكتفيان بالقليل. حبهما هو الطعام والشراب، والراحة والأمان. ستلبي نداءه وتحقّق الحلم. ستتخلى عن أهلها وعالمها، وترحل معه إلى حيث يريد. لن تفكّر كثيرًا، أو تحسب لأحد أي حساب، فما زالت كلماته ترن في أذنيها حبًا وشوقًا ولهفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت