سيقرأ ماهر كل ذلك. تلك التفاصيل التي تحدّثه عنها لأول مرة، مذ عرفته قبل عام، يوم خفق قلبها له. لم تكن تعلم آنذاك، أن الحب ينمو ببساطة كما حصل معها. كانت نظراته عبر الشارع، تخترق جسدها وقلبها، ولفتاته التي يخصّها بها، تفعل في نفسها فعل السحر. لم تكن تستطيع النوم، إن لم تكحّل عينيها برؤيته، وهو يرشقها بنظرة أو أكثر. أصبحت نافذتها سرًّا من أسرارها الجميلة، فتلامس حوافها بلهفة، وكأنها ترسل له رسالة إثر أخرى، ليتلقّى الحب والشوق دفعة واحدة، ويستمد القوة والمؤونة التي ستكفيه حتى الصباح، حيث سينتظرها قبل موعد المدرسة، كما يفعل في كل يوم، وتكون هي في رحلة الواجب، نحو مدرستها أيضًا، ورحلة الشوق إلى ابتسامته العذبة، فتردّها بعذوبة، وتحمل بين جوانحها جمال اللحظة، تنثرها بين الزميلات وعلى مقاعد الدراسة، بحنين كبير إلى لحظة جديدة من الحب، تحملها على جناح الفرح إلى أحلام لا تنتهي.
كتبت له عن كل ما يعتمل في أعماقها من معاناة، بين الاستجابة إلى ندائه، والرفض أمام ما سينتج عن هروبها معه من أقاويل، أو ما ستسببه لأسرتها من أحزان. غير أن اللقاء به يعادل كل شيء، فما زال قلبها يخفق، كلما استعادت كلماته المشحونة بالحب والتوسّل، ذلك الحوار المتقطّع عبر الهاتف، تلك اللحظات المسروقة والمتضمّخة بالخوف، والتي تحمل تحدّيًا للبيت والأسرة والمجتمع، والتمرد المتدفّق في أوصالها، الذي يدفعها كي تثبت وجودها وإنسانيتها، وتترك بصمتها، وترسم خطوط حياتها، وتقول كلمتها في حق هو لها، حقها الأول في الحب ثم في الاختيار، وتتابع الطريق بجرأة وانطلاق.