ما زالت الرسالة في يدها، وما زالت تستمع إلى صوت نبضات ماهر، وهو يقرأ الكلمات المفعمة بالحب والصدق، وهي المدلّلة عند أبيها رغم قساوته، فيخصّها بالرعاية والاهتمام، ويميّزها عن أخيها، الذي تحبه وتنصاع لأوامره، فيبدو قاسيًا حين تعلو قسمات وجهه، ملامح الرجولة التي يرسمها منذ الصباح، ويمارسها عند الطلب، فتستمد الرهبة من أخيها الذي يحسب لأبيه ألف حساب، ويحاول الاقتداء به في ساعات غيابه. لكنها تحبهم جميعًا، وتأمل أن يرضخوا للواقع الذي اختارته. إنهم يحبّونها أيضًا، خاصة أمها الطيبة والذكية، والتي تعلّمت كيف تتجاوز هفوات أبيها، على مدى سنوات طويلة، فحين تزوّج من صبية صغيرة بكت طويلًا، وكانت تجفّف دموعها كي لا يراها، فيتّهمها بالأنانية والوقوف في وجه سعادته، وهي التي قدّمت دون حساب، وأعطت كل ما تملك. عمرها وشبابها وحياتها.
قالت لها:
ـ لم تحسني التصرّف يا أمي! كان عليك اتّخاذ موقف. تتمردّي أو تغادرينه بضعة أيام.
ـ لم أستطع. كنت خجلة من نفسي.
ـ لم؟
ـ لأنه اختياري. حين هربت معه قاطعتني أسرتي طويلًاُ.
ـ لكنهم يحبونك.
ـ لأنني ابنتهم.
حين عاد أبوها نادمًا. كانت أمها في انتظاره. لم تبد عليها ملامح السعادة. كان الجرح عميقًا ومؤلمًا، لم تعرف بعده النسيان، وما زال أبوها يشعرها بتضحيته حين تخلى عن الصبية، التي كانت بالنسبة إليه فرصة العمر.
قالت لها:
ـ لماذا أنت حزينة يا أمي؟ لقد طلّقها وانتهى الأمر.
ـ وهذا أيضًا مؤلم.
ـ يا إلهي بماذا تفكرين؟
كانت الأم تكفكف دمعتها. ربتت على وجهها بحنان وهي تمتمتم:
ـ انتبهي لنفسك.
لماذا أدارت ظهرها لصندوق البريد؟ لماذا مزّقت الرسالة وعادت أدراجها إلى البيت؟ هل كانت مخطئة في حق نفسها، وحق ماهر، وحق الحب الذي يجمعهما؟ لكن.. وفي اللحظة التي أسندت رأسها إلى كتف أمها، ترقرقت دمعة صافية في عينيها، وتدحرجت على الخد النضر الذي بدا كبرعم يتفتّح نحو النور.
سمعت تنهيدة طويلة، وكأن الأيام تعود من جديد، لترسم خطًا يغيّر مجرى عمر طويل.
الصداقة
قال وهو يقدّمني إليها، ويشدّ على الكلمات:
ـ زميلة عمل وصديقة مميّزة.
مدّت يدها الغضّة، وفوق وجهها براءة عذبة. ضحكت على استحياء. قالت:
ـ اسمي ليلى.
كان أحمد أثناء ذلك يتابع قائلًا:
ـ ليلى. زوجة المستقبل.
هل كان يعلم ما سيحدث لي؟ وكيف ستتحوّل أبسط الأحزان، إلى وجع لا أدري متى يهدأ؟