فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 55

اكتشفت أنه قربي. فليكن. بدا منهمكًا بما أكتبه. كان صامتًا خجولًا كأشعة شمس ذلك الصباح. نسيته وأنا أغرق في الكتابة. نسيت أنه يتابعني. كنت أتذكّر ثقة السائق، وهو يؤكّد أن كل شيء على ما يرام، وكنت قد وصلت إلى نقطة هامّة في حياة ذلك البيت. فكّرت لم لا؟ فليس صعبًا أن تولد المرأة البديلة، ولم يكن من الصعب أيضًا خلق الفرص لذلك. كان من المؤكّد أن الطمأنينة ستجدّد حياة الأب، وسيعتاد الطفل الذي ما زال صغيرًا وينسى، وتصبح آلامه من الذكريات.

اكفهرّ وجه الطفل فجأة. رأيت هذا وأنا أختطف نظرة إلى ما حولي. حاولت جاهدة ألاّ أنظر بعينيه. شعرت وكأنه يتّهمني بالخيانة أمام الفكرة التي راحت تشغلني، أو أنني أخلف الوعد الذي قطعته له. شعرت بالارتباك وأنا أحاول مواراة وجهي. اكتشفت أنه أكبر من عمره بكثير، أو أنه يختلف عن بقية الأطفال. كان يتابع تحرّكاتي بتحد. خجلت وشعرت بأنني في مواجهة حقيقية مع الطفل ثم مع نفسي. كانت نظراته التي حملت أكثر من معنى تتّهمني. شعرت بأنني امرأة أخرى. امرأة لا تمتّ إليّ بصلة، وكأنني أستغني فجأة عن مبادئي، لأقذف بأحلام الطفل دفعة واحدة إلى المجهول.

أغمضت عيني قليلًا، وكنت أحتفظ بنظرة عينيه، تلك النظرة التي لا تمحى، والتي فيها إشارة واضحة لجبني ورغبتي في الوصول. أوليس ما أفعله بأحلامه الجميلة هو غاية مكشوفة، وما أخطّط له ألا يكمن في الوصول إلى تلك الصحيفة؟

شغلت نفسي بالقراءة، ثم بالخروج إلى الشرفة. ثم بأعمال البيت. بينما صورة الطفل لا تفارقني. كان يلاحقني بالاتّهامات والأسئلة، وكنت أحاول الهروب والتخفّي، إلى أن قرّرت العودة عن فكرتي الجديدة، والركون إليه وتقديم اعتذاري، وإعلان عدولي عن الاشتغال في الحلم ثانية. تلك اللحظة مددت أصابعي ألامس وجنته المبلّلة. ابتعد وهو ينظر إليّ بلوم شديد ويكرّر الكلمات بتحدّ قائلًا:

ـ أنت لا تحبّين الأطفال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت