غادرته إلى غرفتي. مرّ الوقت ثقيلًا. كان المد والجذر يأخذانني جيئة وذهابًا، وكانت كلمات السائق في أذني. كل شيء على ما يرام. تذكّرت قصّة (حلم) ، ونصيحة المسؤول الثقافي. كنت أرغب بالتواصل مع تلك الصحيفة. ربما لوسع انتشارها، أو لانتقاء كتّابها. شعرت بالغبطة فجأة، إذ سيكون باستطاعتي إضافة الأحداث الجديدة التي ستغني العمل، وتجعله في الوقت نفسه مناسبًا للصفحة الخاصة به، ورحت أتهيّأ لصياغة الحلم من جديد.
علّق زوجي وهو يلتهم طبق السمك المشوي بمزاج، عن ذلك الطبيب الذي جعله ينصاع للأوامر، ويستغني عن الأطباق الغنية بالدهون والسكريات. ليحافظ على نظام عيش متوازن. هذا الطبيب جعل جسده متناسقًا، ونشاطه جيدًا، وله الفضل في إضفاء التوازن على صحته. تذكّرت المسؤول الثقافي وهو يدردش على الهاتف، ويعقد موعدًا للغداء، يتخلّله طبق السمك الرئيسي، ويشترط أن يجهّز كما يجب، ويكرّر الطريقة الخاصّة بإعداده. لا أدري أيضًا كيف تذكّرت السائق وأولاده الذين لا يعرفون طعم السمك إلاّ من خلال المعلّبات.
أجفلني صوت زوجي مردّدًا:
ـ ما بك؟
ـ لا شيء.. يجب أن أكتب الآن.
ـ وهل الكتابة واجب؟
سمعت تأفّفه وأنا أبتعد باتّجاه زاويتي الخاصّة. منضدة ومقعد ومدفأة صغيرة. أحب هذا المكان الذي يغمرني بالحب. حب الكتابة وحب الأشخاص الذين يولدون يومًا إثر يوم. أنسجم مع حياة كل منهم. أبرد أو أمرض أو أجوع. أفرح أو أغتبط أو أسافر وأعود. يصبحون رفاق دربي وحياتي، كما حصل وأنا أكتب (حلم) ، هذا الطفل الذي أحببته وعشت أحلامه، ورحت أرتّب له اللقاءات مع أمه، فأكثر من حضورها علّني أخفّف وطأة الفراق، كان هذا ما شغلني وأنا أحاول تحقيق الحلم، ليستغني في ساعات الصحو عبر أحلامه، بلقاء يقصر أو يطول. لقاء أحاول تجديده باستمرار.
في غمرة الهدوء، وأنا أفكّر جادّة بصياغة الحلم من جديد، كانت الحياة تدبّ حولي، بدا الطقس رائعًا، هكذا خفّ المطر رويدًا رويدًا، خرجت الشمس خجولة وأرسلت أشعتها على استحياء. تلك اللحظة عرفت بأن عيني الطفل تلاحقانني. ابتسمت. هل قرأ أفكاري؟ أم أراد مشاركتي نسج الحلم من جديد؟ هل يريد لقاء أمه؟ أم هل يعرف ما سيطرأ على النصّ الذي تحكّم بأحداثه طويلًا؟