هززت رأسي، فأنا أعرف كثيرين يعملون خارج الدوام أيضًا، وأعرف امرأة تعمل في النهار في إحدى الدوائر الرسمية، وتملأ أوقات فراغها في البيت بحياكة الصوف. لكنه تابع قائلًا:
ـ أنا مدرّس وما أقبضه لا يكفي حاجيات أطفالي. المدارس.. اللباس.. الطعام، وغير ذلك من المتطلّبات.
لم أكن أريد الحديث أكثر، غير أنني سألته بعفوية قائلة:
ـ ألا تعمل أمّهم وتساندك؟!
أجاب متأسيًّا:
ـ أمهم ماتت قبل سنوات.
تذّكرت طفل قصّتي. سألته على عجل:
ـ هل تزوّجت ثانية؟
ـ طبعًا تزوّجت. الأطفال بحاجة إلى رعاية؟
سألت بتلهّف:
ـ هل كل شيء على ما يرام؟
ابتسم بثقة. قال:
ـ أجل. كل شيء على ما يرام.
لكن قصة طفلي تختلف، فقد انتهت عند أحلام الطفل بوجود أمه، وأحلام الأب بتأمين امرأة تكون البديلة.
لاحظ زوجي شرودي. ضحك هازئًا. قال:
ـ نصحتك مرارًا.. لكنك مصرّة على الكتابة.. ثم لمن تكتبين؟ ومن سيقرأ؟
لم أشأ تكرار الإجابة، فأنا أكتب لأفرغ ما يتراكم في نفسي من أحزان، من قهر يتفاقم يومًا إثر يوم. مشكلتي ليست في الكتابة، بقدر ما هي فيما نعيش به، وفيما يحدث حولنا، في هذا العالم الذي فقد الحب والجمال، كل يوم نكتشف صعوبة الأيام القادمة. نحن غارقون في الأرق والخوف من الآتي. تذكّرت السائق وأطفاله الذين يملؤون وقته، ويشغلونه، ولا يتركون له فرص التفكير في شيء. شعرت بغصّة في حلقي.. تأفّفت.
قال زوجي بتهكّم:
ـ أنت تلحقين السراب. تعشقين الوجع. ترفضين الراحة. ما جدوى الكتابة في هذا الزمن؟ بالنسبة لي لا أحب ما تفعلينه.
دارى وجهه فجأة، وربما تذكّر آخر حديث دار بيننا، فأنا أستعيض بالكتابة عن الفراغ الذي أعيش به، فوجود طفل أهم من كل الأعمال مهما علت قيمتها. لم أرغب تذكيره بما عاناه يوم اكتشف استحالة أن يكون أبًا، وخفت أن يتذكّر تلك المعاناة التي خرج منها بصعوبة. استمديت الجرأة فجأة، محاولة تجاهل تلك الأيام، والعودة إلى الحاضر الذي يحمل الثقة، وأقول متداركة:
ـ أنا راضية بما أفعله، كما أنت راض بما تفعله، ويحق لكلينا اختيار ما يريد فعله، أنا لا أرغب التحوّل إلى دمية متحرّكة في البيت.
ضحك. قال:
ـ دمية؟!. أنسيت أنك امرأة ثرية ومترفة، وتستطيعين إلهاء نفسك بما يجلب البهجة؟
قلت جادّة:
ـ لا أحب البهجة.
قال مازحًا:
ـ أعرف هذا. أنت تحبين البؤس.