فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 55

فتحت أوراقي. طالعني عنوان قصّتي (حلم) كانت تحكي عن طفل ماتت أمه، وراح يحلم بعودتها، وربما أتتني الفكرة لأسباب عدّة، فقد تكون حاجتي لطفل، أمارس من خلال وجوده مشاعر أمومتي، التي حرمت منها عبر زواج سنوات، وربما أكون قد استوحيتها من فيلم شاهدته قبل أيام، فترك لدي انطباعًا جميلًا، وكان يحكي عن طفل شغله اكتئاب أبيه بعد ترمّله، فراح يهتف لمن ينقذ هذا الأب من الضياع الذي حلّ به.

لكن طفل قصّتي يختلف، فالمعادلة معكوسة، إذ كان أبوه هو الذي يهتف إلى مقرّبيه، لإنقاذه من حياته الكئيبة، وانتشاله من المسؤوليات الصعبة. الوحدة.. الأرق.. الضجر، فوجود امرأة سيعيد للبيت توازنه. امرأة تكون الزوجة والأم والمربية.

راقبت الطريق من جديد. كان خاليًا من الناس والسيارات، بينما المطر ينهمر. وكان طفلي تلك اللحظة يضبط أباه، وهو يصف المرأة البديلة.. الشكل.. العمر.. اللون. أمور تتعلّق بالنشاط والجمال والحيوية، فقد ملّ من الشكوى، ويحلم بامرأة جيّدة الصحّة، ليستعيض عن أيامه الصعبة التي قضاها، بصحبة امرأته التي دبّ المرض إليها مبكّرًا.

سحبني صوت السائق من شرودي، متسائلًا بطريقة لا تخلو من التهكّم، وهو يقول:

ـ إلى أين يا سيدة؟

كنت ما زلت غارقة في أجواء الحزن، فطفل قصّتي مصمّم على استعادة أمه، وكان يخطّط للّقاء بها، ويصرّ على وجودها، ويغتنم الفرص لاستدعائها، إلى أن أتاه اعتقاد بأنها ما زالت حيّة، ومتخفيّة عن الجميع عداه هو، فهو يلقاها كلما انفرد بنفسه. تحادثه. تختار ثيابه وتمسح فوق جبينه ورأسه. يغفو على صوتها ويصحو على نداءاتها، وحين يخرج إلى المدرسة، لأنه سيعود ليراها في انتظاره. تحضنه وتلاعبه. تطعمه أو تقرأ له دروسه.

ردّدت العنوان بجدّية، وعلّقت ببساطة على هذا الزمن الذي يجور على الإنسان ليسلبه تفكيره، ويصيبه بالشرود.

تململ السائق، ومن خلال نظراته في المرآة، قرأت عشرات القصص. خجلت وشغلت نفسي بقراءة اللافتات وأسماء التجار والمحلات. كان المطر يزداد هطولًا. يغسل الشجر والطرقات والسيارات العابرة، بينما صوت ماسحات الزجاج يرسل لحنًا حزينًا، يشبه طقوس الرحيل. تلك اللحظة سحبني صوت السائق ثانية وهو يقول:

ـ الحق معك يا سيّدة. تصوّري لقد اضطررت للعمل خارج دوامي الوظيفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت