تريّثت قليلًا، وهي التي فوجئت منذ اللحظات الأولى به. حاولت استرجاع كلماته وأفكاره وكل ما كان يكتبه، وكانت تنتظر المزيد. تستمع وتتلقّف الكلمات وتفاجأ مع مرور الوقت إلى أنها في غربة حقيقية، عن نفسها وعن كل ما يتعلّق به.. تأفّفت.. لماذا يحصل معها كل ذلك؟ لماذا تشعر بالقهر والأسى؟ ومع تصاعد انفعالها سقطت في فراغ. ليس هو الذي تقرأ له، أو تهوى طريقتَه، حين يكتب أو حين يخطّ أحلامه. كل ما يقوله لا علاقةَ له به. إنه رجل آخر، أو هو اثنان. أو. أو. تحسّست كتفَها. دهشت أن الوجعَ قد غاب. خرجت مسرعةً وهي تحاول التجاهل والنسيان. وقد حاصرتها أسماءٌ وعناوينُ، وصورُ صحفٍ وقراءات، وكانت في ذهول.
أوراق حلم
الطقس بارد، وهذا المعطف لا يمنح الدفء. فكّرت بهذا وأنا أرمي نظرة على ما حولي. رفعت رأسي ألتقط آخر صورة للمبنى العالي. في اللحظة التي غمر رذاذ المطر وجهي. وجدت نفسي ألعن مهنة الكتابة التي أرى نفسي بشوق دائم إليها كلّما فكّرت بالابتعاد عنها.
طويت ما بيدي من أوراق، بينما كلمات المسؤول الثقافي تلاحقني.. هذه قصّة قصيرة جدًا. نريد قصة تلائم مقاس الصفحة في مجلّتنا. تذكّرت صحيفة سابقة ومسؤولها الثقافي أيضًا، وهو يشترط حجمًا للقصّة أقل، بحيث يتناسب مع الصفحة المخصّصة.
لم أضحك وأنا أسمع النصيحة، لكني ضحكت وأنا أهبط الدرج، إذ تذكّرت جارتي التي تعمل في الخياطة، وتخيط الأثواب على مقاس النساء، وكانت في نظر الجميع امرأة مبدعة. كلّنا نبدع بمقاسات تحت الطلب. ضحكت ثانية. قلت في نفسي، سأقدم قصّتي لجهة أخرى. صحيفة تتبنّاها دون شروط.
اشتد انهمار المطر، ممّا جعلني أتوارى في أحد المداخل، أراقب الطريق، علّني أحظى بسيارة أجرة تقلّني إلى البيت. نظرت إلى الساعة. لقد اقترب موعد قدوم زوجي، وعليّ تحضير طبق الطعام الصحّي الخاص به. لم أكن قلقة لتأخّري، فقد رضخ لحياتي الجديدة، ولفكرة الكتابة التي شغلتني طويلًا، غير أنه يشتاق بين الفنية والفنية لتطويعي في تلبية احتياجاته، فيهلّل وكأنه استحوذ وقتي الذي ما زال يعتقد بضياعه ما بين القراءة والكتابة.