تأفّفت. لقد نقلها هذا الرجل إلى ما لم تحسب له. شعرت باستياء، وعادت تراقبه وهو يعبر بين الآخرين. كان امتعاضُها يتصاعد وهي تتحسّسُ كتفَها الذي راح يؤلمها، ومع يقينها بأن ما حدث كان عن غير عمد، لكنها نفرت من الرجل، واعتبرت وجوده إشارةَ شؤم، وراحت تراقبه ثانية إلى أن غاب. انقبضت. إذ تسلّطت عليها مشاعرُ الخيبة، ولم تستطع الهروبَ من الحالة التي سقطت فيها، فبدا المكان ضيقًا، والأجساد قطعًا باردة. فكّرت بما يجلب لها الراحة، كأن تصنفَ الناس، وستتجاهلُ كعادتها ما لا يعجبها، خاصة وقد أصبح الرجل محور تفكيرِها، ربما لارتطامه بها، أو لألم في كتفِها، أو لأنها اشمأزت من غروره أو استخفافه بالآخرين، أو لأنها اعتبرت ما حدث إشارةً إلى حدث بشع قريب الوقوع.
لكن! هل ستتحقق هذه الإشارة؟ وهل ستخبو آمالُها المنتظرة؟ وهي.. وهل؟ هل سيتغيّب صديقُها عن الحضور؟ لكن حدسَها الذي رافقها منذ مجيئها، يصرّ على مجيئه ووجوده بين الحاضرين.
مع اشتداد الألم في كتفِها، التفتت إلى امرأة تجلس لصقها. سألتها وهي تشير إلى الرجل قائلة:
ـ هل تعرفينه؟
ـ لا.
همّت بالنهوض، وعند مدخل الصالة توقّفت قليلًا، وخرجت لدقائقَ تكفي لاحتساء قدح من الشاي.
كان الوقت شتاء، والسماء داكنة، غير أن بقايا ما تراكم من ثلوج فوق أغصان الشجر، وعلى حافتي الشارع، أوحيا لها بالدفء. حلمت أنها تسير طويلًا، وأنها تلتقط الصور القريبة والمترامية. أحست فجأة بالبهجة واعتبرت ما هي فيه إشارة لفرح قادم، ودفعها إحساسها الجديد لعودة سريعة إلى الصالة.
وهي تدخل، وجدت الرجل وهو يتّجه إلى صدر المكان. تأففت ثم انقبضت، ومع صدى التصفيق تصاعد نفورها، وتسنى لها مراقبته أكثر. بمشيته ونظراته، وكأنه أهم الرجال. تأففت ثانية وهي تقارنه بصديقها الذي تنتظره، أو بحضور آخر لرجال آخرين. كان هذا الرجل صورًا متحرّكةً لرجل ما. رجلٌ لا علاقة له بالاختلاف أو التميّز، ومن مكان مرتفع قليلًا. انطلق صوت يستقبله بالترحاب، معدّدًا خصاله وأعماله. مردّدًا اسمه. أكثر من مرة.
شعرت بدوار. أصغت السمع. سمعها لم يخطئ. إنه الاسم المنقوش في الذاكرة. إنه صديقها الذي قرأت له وانتظرته طويلًا. صديقُها القريبُ البعيد الذي يتجسّد الآن أمام عينيها. صديقها الذي لا يشبه من في الذاكرة أبدًا.