يقول المناوي معلقًا على الحديث السابق:"ونعم الدواء لمن قسا قلبه ولزمه ذنبه".
وللتراب الصامت صوت لا يسمعه إلا من تذكر هادم اللذات ، وهو أمامه يتأمل ومحاورته متعة لا يحوزها إلا من أراد أن يكون من أبناء الآخرة ، واستن بسنة الإمام على (- رضي الله عنه -) بتطليق الدنيا بثلاث.
حوار مع القبر
استمع لهذه المحاورة بين الرافعي والقبر
يقول: سألت القبر: أين المتاع والمال ؟ أين السحر والجمال ؟ أين الصحة والقوة ؟ أين المرض والضعف ؟ أين القدرة والجبروت ؟ أين الخضوع والذلة ؟
قال: كل هذه صور فكرية لا تجيء إلى هنا لأنها لا تؤخذ من هنا .
هكذا يتوقف كل شئ هناك في تلك الحفرة تتوقف الابتسامات والقهقهات ، يتوقف الجدال والصرخات ، ويتوقف العناد والكبرياء ، ويتوقف الأمل والجشع ، ويتوقف الإخلاص والرياء ، ويتوقف العجب بالمنصب والجمال ، يتوقف الافتخار بالعشيرة والجاه ، يتوقف الغرور بالقوة والعقل ، كما يتوقف ظلم من ظلم ، وذلة من استذل ، يتحول الوجه الفاتن واليد الظالمة واللسان الكذوب والعين الخائنة والقلب القاسي إلى جماجم ، وأعظم نخرة تعبث بها الديدان من كل جهة ، ولا يبقى إلا العمل الذي قدمه صاحب القبر ، يسأله عنه منكر ونكير ، ولا يبقى بعدهما إلا هذا الجليس المؤنس الوحيد .. العمل.
وأينما يذهب الإنسان تتلقاه أسئلة كثيرة: ما اسمك ؟ ما صناعتك ؟ ما وظيفتك؟ ما مؤهلاتك ؟ كم عمرك ؟ كيف حالك ؟ ماذا تملك ؟ ما صحتك ؟ وطنك ؟ ما رأيك ؟ ما طلباتك ؟ رغباتك ؟ أمنياتك ؟ .
عند القبر يبطل هذا كله ، كما تبطل اللغات البشرية كلها في الفم الأخرس ، وهناك ينطق بسؤال واحد للإنسان ما عملك ؟.
فإما عمل يحيل قبره إلى روضة من رياض الجنة ، وإما عمل يحيل قبره إلى حفرة من حفر النار.