احضر بقلبك ذكر من كان مترددًا في أغراضه كيف تهدمت رجلاه في قبره . يقول الرافعي: كل من يهرب من شئٍ يتركه وراءه إلا القبر فما يهرب منه أحد إلا وجده أمامه ، هو أبدًا ينتظر غير متململ ، وأنت أبدًا متقدم إليه غير متراجع.
أخي في الله
تأمل: صاحبك في القبر
كان يتلذذ بالنظر إلى ما حوله ، فإذا به في قبره وقد سالت عيناه.
كيف كان يصول ببلاغة نطقه ، وقد أكل الدود لسانه.
كيف كان يضحك لمواتاة دهره ، قد أبلى التراب أسنانه.
تأمل وتذكر:
بل وتحقق وتأكد أن سيكون حالك كحاله ، ومآلك كمآله ، وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنك جميع الأغيار الدنيوية ، وتقبل على الأعمال الأخروية ، فتزهد في دنياك ، وتقبل على طاعة مولاك ، يلين قلبك ، وتخشع جوارحك ، فزيارة ذلك الواعظ من أكبر أسباب تقوية القلب ، وإزالة تلك الغشاوة .
فأنت عندما تذهب إلى المسجد يوم الجمعة تستمع إلى واعظ واحد ، فالمصلون كثيرون والواعظ واحد ، ولكن الصورة تنقلب في المقبرة حيث تتحول كل القبور إلى وعاظ ، وأنت تستمع إليهم في آن واحد ، فالمستمعون قليل والوعاظ أكثر.
وهذه حالة فريدة لا تكون في أمور الدنيا إلا في ذلك المكان ، فالقبر ما يفتأ صامتا لا يتكلم ، ولكن صوته في أعماق الناس أعلى من صوت ذلك الواعظ الجهوري الصوت في المسجد .
إخوتاه
تعالوا بنا لنزور ذلك الواعظ الصامت ، نقف عنده مليا لنتدبر حديثه الدائم ، عسانا نعتبر .
إنَّه القبر
القبر
لا يملك العبارات المنمقة المصفوفة ، ولكن منظرة أعمق من كل عبارات الوعاظ.
القبر
لا تتحرك يديه ، ولا يتلفت بوجهه ميمنة وميسرة ؛ ليجذب جمهور المستمعين والمشاهدين بخطبته ؛ لأن الجاذبية تركزت فيه تجذب القلوب قبل الأجساد.
القبر
ما هو إلا تلك الحفرة التي سينام فيها الإنسان ، عندما تتوقف الآلة التي كان يعمل من خلالها بعد أن ينتهي من أداء الاختبار الذي كان قد كلف بأدائه .
القبر