أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم. وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض، فلمّا نبّأها به قالت: من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير. إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تَظاهرا عليه فإنّ الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير. عسى ربه إن طلّقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا [5] .
واتفقت الروايات على أن تخيير النبيصلى الله عليه وسلمأزواجه بين تطليقهن وإبقائهن على عصمته على الوجه الذي يريده منهن وهو أن يكنّ قدوة صالحة للنساء في الدين، كان بعد حادثة غضبه من أجل ذلك الحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة، وهجره لهن شهرا.
وقد صح أنه حدث في أثناء ذلك سبب آخر للتخيير وهو إلحافهن بطلب التوسعة في النفقة والزينة [6] .
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعيش حياة شظف في بيته ..
ففي الحديث عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما دخل إلى بيت النبي بكى، فقال رسول الله ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ قلت ومالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثّر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك قيصر وكسرى في الأنهار والثمار وأنت رسول الله وصفوته .. فقال له النبي: إن أولئك قوم عجلوا طيباتهم في الحياة الدنيا.
فأية قدوة صالحة للنساء المسلمات في ذلك الزمان وإلى آخر الزمان .. إذا كانت أمهات المؤمنين مسرفات يبحثن عن حظوظ الدنيا وشهواتها وزينتها .. ؟
قال تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك: إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكنّ وأسرحكنّ سراحا جميلا .. وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعدّ للمحسنات منكنّ أجرا عظيما} [7] .
اختيارهنّ الله ورسوله
كان رسول الله يعامل أزواجه أكرم معاملة يمكن أن تحلم بها امرأة .. ومع حبهن الشديد وتقديرهن الكبير للنبي الزوج .. إلا أن الغيرة أوحت لكل واحدة منهن سببا لإيذاء النبي ومحاولة السيطرة على قلبه وأن تكون الأولى القريبة منه ..
تظاهرن عليه، وكدن له، وأفشين أسرارا استأمنهن على كتمانها، وطالبنه بمزيد من النفقة .. وهو الذي ادّخر طيباته إلى الحياة الأخرى .. فحذرهنّ .. وهجرهنّ .. وأخيرا خيّرهنّ بين البقاء يتحملن معه شؤون الدعوة وتبعاتها، ويكنّ المثل الأعلى لنساء المؤمنين، وبين طلاقهنّ ..
في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما نزلت آية التخيير قال: فبدأ بعائشة فقال: يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك. قالت وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية قالت: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، قال (لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا، ثم خيّرهن كلّهن فاخترن ما هو خير لهن .. اخترن الله ورسوله والدار الآخرة) .