الصفحة 56 من 295

ولكن أوائل الصوفية شأنهم في ذلك شأن السلف الصالح حيث أخرجوا ذات الله وصفاته وأفعاله بداية من المقاييس التى تحكم ذوات المخلوقين وصفاتهم وأفعالهم على عكس طريقة المعتزلة وهذا هو مقصدنا بأنهم بدأوا بالتوحيد أولا .

يقول الجنيد: ( التوحيد إفراد القديم عن الحدث ) (2) .

يقول الهجويرى معقبا: ويعنى ذلك أنه لا يجوز لك اعتبار القديم محلا للحادث ومقاييسه ، ولا الحادث أن يكون محلا للقديم (3) .

فما يحكم المخلوق من أقيسة لا يصلح أن يطبق على ذات الله وصفاته وأفعاله عندهم ، وهذا حق يدل عليه منطق العقل ، ولذا يفصح الجنيد عن المعنى السابق بقوله:

( التوحيد هو إفراد الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديتة ، وأنه الواحد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، بنفى الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل لقوله تعالى: { ليس كمثله شئ وهو السميع البصير } (4) .

ـــــــــــــــــــــــ

1-الإبانة عن أصول الديانة ص 106 ، الانتصار للخياط ص 126 .

2-كشف المحجوب للهجويرى ص 334 ، والرسالة القشيرية حـ 1 ص 28 ، 29

3-السابق ص 334 .

4-الشورى / 11 ، وانظر التعرف لمذهب أهل التصوف ص 33 .

فهذه الأية جعلها الجنيد أساسا لاعتماده الكلى في إبراز اعتقاده حيث تضمنت التوحيد وإفراد المتوحد أولا ثم إثبات الصفات ثانيا على ما يليق بجلال الله وعظمته .

سئل أبو على الروذبارى (1) عن التوحيد فقال:

التوحيد في كلمة واحدة كل ما تصوره الأوهام والأفكار فالله سبحانه وتعالى بخلافه لقوله تعالى: { ليس كمثله شى وهو السميع البصير } (2) .

فاعتمد الروذبارى في اثبات التوحيد على منع العقل من العمل في إدراك كيفية الذات والصفات والأفعال ، لأن العقل تحكمه المقاييس والله لا يقاس على شئ من خلقه ، وما جاء شئ في الوحى يخبر عن كيفية الذات والصفات وكل ما ورد إنما هو في إثبات حقائق الصفات وذلك بناء على قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت