كما أن العلاقة بين الله والعالم في تصورهم هى علاقة ربوبية فالخلق كله مربوب لله انفرد الله بإيجاده وتسييره بقدرته وانفرد برعايته وعنياته ولطفه ، فلم يخلق الخلق وينعزل عنه كما هو الحال عند الفلاسفة أو خلقه وجعل عقولا فعالة تنفرد بتسييره وتدبير حاله من دونه كما هو الحال في اعتقاد غلاة الصوفية في الأقطاب التى تتحكم في الكون بتفويض من الله ، أو أن الطبيعة هى التى تحكم قدرته سبحانه وتعالى فلا يفعل إلا من خلال قوانينها وكل هذه المنزلقات الفكرية ردها أوائل الصوفية وأمنوا بأن الأسباب الموضوعة في الكون سواء كانت أسبابا غيبية أو أسبابا مشهودة ما هى إلا مجرد أدوات في يد القدرة يفعل الله بها أو بغيرها .
فمن جانب ينصر بها أولياءه على أعدائه فيؤيدهم بالأسباب وغيرها فتظهر المعجزات للرسل والكرامات للأولياء ، ومن جانب ينظرون في بديع الصنع فيزدادون إيمانا ، كل ذلك يضاف إلى أن الله خلق الدنيا وسيلة إلى الآخرة وليست غاية ، فإذا أدرك الإنسان ذلك جعل اهتمامه منصبا في الغاية من خلقه ، وتملكته عبودية ربه فلا يحزن لفوت لذة أو يفرح بتحصيل عاجل لعلمه أن الله يقلب الأمور ويصرفها ابتلاءا واختبارا ، فيعمل للإعداد لدار البقاء حيث النعيم المقيم والفرح الدائم الذى لا ينقطع .
إن الحرية الحقيقية للذات الإنسانية لا تؤتى ثمارها عند أوائل الصوفية إلا إذا أدرجت في الحسبان موقفها من الموت وما بعده فالذى يرى الموت عدما يحاول أن يغتنم الحياة كدار للنعيم يلتهم منها على قدر ما يستطيع ويغفل الجانب الحقيقى لمعنى الحياة والحكمة الإلهية من إنشائها ، فيتخبط في سلوكه مرة بين الحسرة ومرة بين التناسى ، ولا بد من حتمية اللقاء المرتقب الذى حاول أن يتملص منه بالهروب إلى هوى النفس والخضوع له .