فهم يعلمون أن الله ابتلاهم بالاشتهاء للابتلاء وأراد منهم التحرر منه .
يقول القشيرى معلقا على المقولة السابقة: ( وذلك أكمل في المجاهدة ، وأتم في كسب الضروريات ) (1) .
وهذا موقف شديد الإيجابية ، لأنه لا يحرر الشهوة ذاتها ولكنه يحارب مبدأها ، ولإن كان أوائل الصوفية يرون في الجوع وترك الشهوة نوعا من الحرية ومقاومة للضرورة النفسية فإنهم أيضا دعوا إلى حث النفس على التواضع والخشوع والقناعة في مقابل ترك الرياء والكبر والعجب والطمع والعظمة وغير ذلك من الأوصاف المذمومة ، وأفردوا لذلك مساحات كبيرة من كلامهم تذخر بها مصنفاتهم .
يقول إبرهيم ابن شيبان (2) : ( الشرف في التواضع والعز في التقوى والحرية في القناعة ) (3) .
ــــــــــــــــــــــــ
1-السابق حـ 1 ص 379 .
2-هو أبواسحاق إبراهيم بن شعبان القرميسنى عابد زاهد ، له مقامات في الورع والتقوى وكان شديدا على المدعين متمسكا بالكتاب والسنة لازما للطريقة الصوفية توفى سنة 330 هـ انظر حلية الأولياء ، حـ10 ، ص 361 شذرات الذهب حـ 2 ص 344 الرسالة القشيرية حـ 1 ص 174طبقات الشعرانى حـ 1 ص 132 .
3-الرسالة حـ 1 ص 386 .
وفى مجموع هذه المعانى يقول: ( من أراد أن يكون حرا من الكون فليخلص في عبادة ربه فمن تحقق في عبادة ربه صار حرا مما سواه ) (1) .
* مخالفة النفس رأس العبادة ومظهر الحرية:
ويكاد يجمع أوائل الصوفية على أن مخالفة النفس رأس العبادة ومظهر الحرية فالنفس تجرى بطبعها في ميدان المخالفة والعبد يردها بجهدها عن سوء المطالبة ، فمن أطلق عنانها فهو شريك معها في فسادها .
قال تعالى: { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هى المأوى } (2) .