الجهاد الذي عادوه، ولو حاول المرء أن يفهم سر تغيرهم وتبدلهم لعلم أن هذا النوع من المشايخ هم أسرى الواقع ونظام القطيع، فحيث نفر الكثير للجهاد، وحيث ظنوا أن هذا الجهاد سيجني ثماره بسرعة ذهبوا إليه ودعموه وجعلوه شرعيًا، ولَمّا حصل التورط والانغماس فيه منعوا غيرهم من نقدهم فيما وقعوا فيه وهم كانوا بمرتبة الناقدين من قبل.
من الدين والصدق مع الله أن يعلن هؤلاء توبتهم مما قالوه في المجاهدين من قبل، وهذا يُبرّئ الدين من غلطهم الذي قالوه في المجاهدين، ويجعل لهم قدم الصدق في القول والمقام، ثم هو يمنع من الهروب المتوقّع ما لو طال أمر هذا الجهاد فيعودوا لسابق عهدهم من قصف الجهاد وأهله؛ إن عاد المجاهدون إلى كونهم «نخبة» يحيون الجهاد ويتحمّلون تبعاته، وهذا لا يُستبعد منهم لسابق فعلهم هذا من قبل، فقد رأينا شخوصهم في هذه المقامات مع هذا التصرف، وهم، هم بأسمائهم دون تبديل؛ إذ أنهم يقبلون حين ظن الغنيمة فإن تولت أو بدت ملامح الذهاب قفزوا من السفينة، حتى لا يتحملوا تبعات التهمة لأن الهزيمة لا أبَ لها، كما يقولون.
وكما تَقَدَّم القول في مسألة الدعم والتمويل، يقال هنا لارتباط الأمر به، فإن الكثير من المشايخ لهم ارتباطاتهم بدولٍ هم يعدونها من أهل الخير، ويعيشون في كنفها، وهؤلاء المشايخ خيارات هذه الدول في التعامل مع بعض حَسَني النية في هذا الباب، والدول عادةً تفتح دكاكين تستوعب الكل، فهناك من يتعامل مع أمريكا والدول الغربية مباشرةً، وأنا أعلم شيخًا يُنسَب من البعض للجهاد والمجاهدين وهو لا يأنف أبدًا من الجلوس مع الدوائر الاستخباراتية لدول الغرب من أجل أن يعلن لهم استعداده وهمّته في الإخبار عن أي أحدٍ من أعدائهم يريد عملًا ما ضد هذه الدول الغربية المعادية للدين والإسلام وبلاد المسلمين، وهذا الشيخ أعلن هذا أمام أعدادٍ من الناس، وهذه الدولة كافأته باعطائه الجنسية عن طريق البريد، في وقتٍ هي لا تعطيها لمن طلبها بالطرق المعروفة عندهم إلا بشق الأنفس، فمثل هؤلاء الشيوخ أمرهم قريب بالنسبة إلى الدكان الذي فتح من أجلهم، فهم يسقطون في الباب الأول، وهناك من الشيوخ من يستحي من الذهاب لهذا الدكان مباشرةً فيفتحون لهم بابًا أبعد عن هذا الباب وهو الذهاب للدول الإسلامية كما يسمونها فهناك يتم القبض والترتيب والانتساب، وهناك من لا يقبل هذا الباب فيذهب لأبعد من هذا الدكان فيرسلون له شيخًا مثله، هو في المنظر شيخ وفي الإهاب والجلد رجل أمنٍ بامتياز، وعلى كلٍ فلكُلٍ دكانُه الذي يستوعبه، وكما قال يومًا وزير الثقافة المصري عن المثقفين:"أدخلناهم جميعًا الحظيرة"، فيقال ها هنا: كل هؤلاء الشيوخ دخلوا هذه «الحظيرة» ، ولكن لكُلٍ بابُه ودكانُه