الصفحة 25 من 30

واعلم أن هذا القول، أعني تحريم شد الرحال إلى القبور، مع كونه هو مذهب السلف، وهو الذي تقتضيه أدلة الشرع، التي منها ما هو صريح أو كالصريح في الدلالة على المراد، كحديث: { لا تشد الرحال } ، ومنها ما يتضمنه ويستلزمه، كحديث: { لا تتخذوا قبري عيدًا } وأحاديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد، إلا أن بعض المتأخرين نسبوه إلى ابن تيمية وحده وجعلوه من أفراده، وأمتحن رحمه الله بسبب ذلك من قبل بعض القضاة في عصره، فحكموا بمنعه من الفتيا وبحبسه، والقصة مشهورة معلومة، مع أنه قد سبقه إلى القول بذلك جمهور السلف وطائفة من الخلف، كالقاضي عياض، وهو من أئمة المالكية، وأبي محمد الجويني من أئمة الشافعية، وابن عقيل وهو من مشاهير علماء الحنابلة، وكلهم سابقون لابن تيمية وقد قالوا بتحريم شد الرحال إلى القبور، والذين حكوا أقوالهم وذكروا الخلاف في المسألة كابن قدامة المقدسي والنووي سابقون له أيضًا، فكيف يدعي بعد ذلك انفراده بهذا القول ويشنع عليه ذلك التشنيع؟!

وقد انتصر لهذا القول جمهرة من أهل العلم في عصر شيخ الإسلام وبعده:

فمنهم ابن الكتبي الشافعي ومحمد بن عبد الرحمن البغدادي المالكي وابن البتي الحنبلي

وأبو عمرو بن أبي الوليد المالكي، وهؤلاء كانوا معاصرين لشيخ الإسلام، ولما سجن بسبب

فتواه في شد الرحال، كتبوا مؤيدين له فيما ذهب إليه (1) .

ومنهم الأئمة الأعلام: ابن القيم، وابن عبد الهادي، وابن كثير، وهم معاصرون لشيخ الإسلام وتلامذة له.

(1) 16) انظر"مجموع الفتاوى" (27/194ــ206) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت