أما الأول والذي أولوا فيه قوله - صلى الله عليه وسلم: { لا تشد الرحال } بأن المراد الفضيلة التامة وأن شد الرحال إلى غيرها جائز فغير متعمد.
أما أولًا: فلأن لفظ الحديث يأباه حيث ورد بالنفي مع الحصر المؤكد والنهي الصريح، ونص هذا شأنه لا شك أن صرفه وحمله على الفضيلة التامة يعد تحكمًا في نصوص الشرع وإقحامًا للعقول في تخصيصها وتقييدها.
وأما ثانيًا: فلأن هذا التأويل يصادم فهم الصحابة وجميع أئمة الفقه، ولا ريب أن فهم الصحابة أقرب إلى إدراك مراد الشارع من فهم الخلف المتأخرين.
وهذا الوجهان ينسحبان على جميع أجوبتهم.
وأما قولهم: إن السفر إلى ما عدا هذه الأماكن جائز، فالجواب أن يقال: إن الجواز يطلق بإطلاقات ثلاثة:
الإطلاق الأول: الإذن في الفعل، وهو بهذا الإطلاق يشمل أحكامًا، وهي الوجوب والندب والإباحة.
قال صاحب"مراقي السعود"عن الإباحة:
(وهي والجواز قد ترادفا في مطلق الإذن لدى من سلفا) .
الإطلاق الثاني: الإذن في الفعل والترك، وهو بهذا الإطلاق يشمل أحكامًا أيضًا هي: الندب والإباحة والكراهة.
الإطلاق الثالث: التخيير بين الفعل والترك على السواء، وهو بهذا لا يشمل إلا الإباحة.
إذا ذهب هؤلاء المخالفون إلى أن مقصودهم بالجواز هنا الوجوب أو الندب طولبوا بالدليل
على ذلك؛ لأنه لا يجوز في الشريعة الإسلامية أن يذهب أحد من الناس إلى الحكم بإيجاب شيء أو ندبه ما لم يقم دليل شرعي عليه.
وهذا الدليل لا سبيل إليه؛ لأنه غير موجود أصلًا، وإن قالوا: إنه جائز بمعنى مباح كان ذلك إيذانًا منهم بالعدول عن رأيهم في شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، إذ كيف يعقل
أن يسافر مسافر من مكان بعيد يقطع القفار ويجوب الفيافي والفلوات قاصدًا قبر رجل صالح أو مشهد من المشاهد المقدسة عنده ولا يقصد بذلك العبادة ونيل الأجر والثواب؟ وإنما لأنه مباح فقط كسائر المباحات.