الصفحة 16 من 30

والحق الذي لا ريب فيه أن السفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة، والعبادة لا تكون

إلا بواجب أو مستحب. فلما حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب

ولا مستحب كان من فعله على وجه التعبد مبتدعًا مخالفًا للإجماع، والتعبد بالبدعة ليس بمباح.

وأما قول ابن حجر إن لفظ: { لا ينبغي } ظاهر في غير التحريم.

فالجواب من وجهين:

1ــ على فرض التسليم بذلك فماذا نفعل بالنهي الصريح: { لا تشدوا الرحال } فإنه إذا ورد في مسألة نهي بلفظ صريح في التحريم وآخر غير صريح فيه تعين المصير إلى مقتضى اللفظ المحرم.

هذا على فرض التسليم بأن { لا ينبغي } ظاهر في غير التحريم، ودون هذا التسليم

خرط القتاد.

2ــ رد العلامة الشيخ ابن باز رحمه الله على الحافظ ابن حجر رحمه الله في هذا الكلام فقال في"الفتح" (3/79 هامش 1) : (ليس الأمر كما قال، بل ظاهر في التحريم والمنع، وهذه اللفظة في عرف الشارع شأنها عظيم، كما في قوله تعالى: { وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا } ]مريم:92 [، وقوله: { قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ... } الآية ] الفرقان:18[) .

وأما الثاني: فلا يحتاج إلى الإطالة حوله، لأنه إذا كان المراد بهذا الحديث النهي عن شد الرحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير المساجد الثلاثة كان النهي عن شد الرحال إلى القبور ومشاهد الصالحين أولى وأحرى.

أما ما ذكره من زيارة الأقارب والأصدقاء فلا محل له هنا إذ المحظور قصد الأماكن التي

لا تقصد إلا للعبادة. ولا يظن بمن ذكر أنهم حملوا الحديث على ظاهره أن مذهبهم تحريم السفر على وجه الإطلاق.

وأما الثالث: فهو أضعف هذه التأويلات فحمل الحديث على الاعتكاف تحكم بلا دليل، وقد اعترف ابن حجر فقال في"الفتح" (3/79) : (لم أر عليه دليلًا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت