وهذا مصير منهم إلى التفريق بين الزيارتين، وهو يضعف الاحتجاج بالأحاديث الواردة في الزيارة، إذ لو كان الاستدلال بها صحيحًا لما فرق في الحكم بين الحالين.
وهذا يقوي حجة من استدل بحديث: { لا تشد الرحال } على منع السفر لزيارة القبور، إذ يقال للذين ذهبوا إلى الاستحباب في الزيارة المجردة عن قصد السفر، وجواز الأخرى، المصحوبة بقصد السفر، لولا أنكم فهمتم من هذا الحديث ما فهمه المانعون، لما فرقتم بين المسألتين فجعلتم الأولى مستحبة والأخرى جائزة.
أما استدلال ابن قدامة رحمه الله بإتيان النبي - صلى الله عليه وسلم - قباء، فقد قصد به بيان أن النفي الوارد في حديث شد الرحال ليس للتحريم بل لنفي الفضيلة، وهو يرد بذلك على المحتجين به على تحريم شد الرحال إلى القبور.
وقد أبطل شيخ الإسلام حجة ابن قدامة فقال في"مجموع الفتاوى" (27/187) :(وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة، فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره، حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء، لأنه ليس من المساجد الثلاثة، مع أن مسجد قباء يستحب زيارته لمن كان في المدينة، لأن ذلك ليس بشد رحل، كما في الحديث الصحيح: { من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة } .
وبهذا يظهر بطلان حجة أبي محمد المقدسي، لأن زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - لمسجد قباء لم تكن بشد رحل، وهو يسلم لهم أن السفر إليه لا يجب بالنذر) اهـ.
وقال العيني في"عمدة القاري" (6/285) : (فإن قلت: ما الجمع بين قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: { لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد } وبين كونه كان يأتي مسجد قباء راكبًا؟ قلت: قباء ليس مما تشد إليه الرحال، فلا يتناوله الحديث المذكور) اهـ.
وأما بالنسبة لتأويل من قال بجواز شد الرحال لزيارة قبور الصالحين لحديث: لا تشد
الرحال فقد أجاب المانعون عليهم بما يلي: