وَإِذَا تَابَ عَنِ الْمَعْصِيَةِ وَقِيل بِقَبُول تَوْبَتِهِ تُقْبَل شَهَادَتُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، سَوَاءٌ أَكَانَتِ الْمَعْصِيَةُ مِنَ الْحُدُودِ أَمْ مِنَ التَّعْزِيرَاتِ ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ أَمْ قَبْلَهُ .
وَاخْتَلَفُوا فِي قَبُول شَهَادَةِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ ( الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ) إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَابَ الْمَحْدُودُ فِي قَذْفٍ تُقْبَل شَهَادَتُهُ ، وَتَوْبَتُهُ بِتَكْذِيبِ نَفْسِهِ فِيمَا قَذَفَ بِهِ ، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَال: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (4) سورة النور ، فَاسْتَثْنَى التَّائِبِينَ بِقَوْلِهِ: { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا } وَالاِسْتِثْنَاءُ مِنَ النَّفْيِ إِثْبَاتٌ ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ { إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا } فَاقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ وَلَيْسُوا بِفَاسِقِينَ ؛ لأَِنَّ الْجُمَل الْمَعْطُوفَةَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ ، وَالْوَاوُ لِلْجَمْعِ فَتُجْعَل الْجُمَل كُلُّهَا كَالْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَيَعُودُ الاِسْتِثْنَاءُ إِلَى جَمِيعِهَا [1] .
وَلأَِنَّ الْقَاذِفَ لَوْ تَابَ قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ تُقْبَل شَهَادَتُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ ، وَلاَ جَائِزَ أَنْ تَكُونَ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ ؛ لأَِنَّهُ فِعْل الْغَيْرِ وَهُوَ مُطَهِّرٌ أَيْضًا . وَلأَِنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ فَهَذَا أَوْلَى [2] .
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول لأَِبِي بَكْرَةَ حِينَ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: تُبْ أَقْبَل شَهَادَتَك . وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ [3] ، فَكَانَ إِجْمَاعًا . وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ شَهِدَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ثَلاَثَةُ رِجَالٍ ، أَبُو بَكْرَةَ ، وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَشِبْل بْنُ مَعْبَدٍ ، وَنَكَل زِيَادٌ ، فَجَلَدَ عُمَرُ الثَّلاَثَةَ وَقَال لَهُمْ: تُوبُوا تُقْبَل شَهَادَتُكُمْ ، فَتَابَ رَجُلاَنِ وَقَبِل عُمَرُ شَهَادَتَهُمَا وَأَبَى أَبُو بَكْرَةَ فَلَمْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ [4] .
(1) - التاج والإكليل للمواق 6 / 161 ، والوجيز للغزالي 2 / 251 ، والمغني لابن قدامة 9 / 197 ، 199 .
(2) - تبيين الحقائق للزيلعي في سرد أدلة الشافعية 4 / 218 .
(3) - فتح الباري لابن حجر - (ج 8 / ص 155) والبدر المنير - (ج 9 / ص 674)
(4) - التلخيص الحبير - (ج 4 / ص 176) والبدر المنير - (ج 8 / ص 645)