وهي أمنية لا تنال. فإذا انتهت هذه الحياة فلا كرة ولا رجوع. وها أنتم أولاء في دار العمل. وهي فرصة واحدة إذا انقضت لا تعود. وستسألون عنها مع التبكيت والترذيل: «بَلى . قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ» ! ثم يمضي السياق وقد وصل بالقلوب والمشاعر إلى ساحة الآخرة .. يمضي في عرض مشهد المكذبين والمتقين ، في ذلك الموقف العظيم: «وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ؟ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ ، لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» ..
وهذا هو المصير الأخير. فريق مسود الوجوه من الخزي ، ومن الكمد ، ومن لفح الجحيم. هو فريق المتكبرين في هذه الأرض ، الذين دعوا إلى اللّه ، وظلت الدعوة قائمة حتى بعد الإسراف في المعصية ، فلم يلبوا هاتف النجاة. فهم اليوم في خزي تسود له الوجوه. وفريق ناج فائز لا يمسه السوء ولا يخالطه الحزن. هو فريق المتقين ، الذين عاشوا في حذر من الآخرة ، وفي طمع في رحمة اللّه. فهم اليوم يجدون النجاة والفوز والأمن والسلامة: «لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» ..
ومن شاء بعد هذا فليلب النداء إلى الرحمة الندية الظليلة وراء الباب المفتوح. ومن شاء فليبق في إسرافه وفي شروره حتى يأخذهم العذاب وهم لا يشعرون! [1]
قال ابن كثير: قوله: { أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصدقات } هذا تهييج إلى التوبة والصدقة اللتين كل منهما يحط الذنوب ويمحقها ، وأخبر - تعالى - أن كل من تاب إليه تاب عليه ، ومن تصدق بصدقة من كسب حلال فإن الله يتقبلها بيمينه ، فيربيها لصاحبها حتى تصير الثمرة مثل أحد ،كل جاء بذلك الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ ، وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ ، أَوْ فَلُوَّهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ. وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ: هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 3058)