ويرى (دور كهايم) أن الجريمة ظاهرة اعتيادية في أي مجتمع، ويصعب القضاء عليها، فهي ظاهرة تتصل ببناء المجتمع، لذا فهي جزء من وظائفه، والجريمة ظاهرة ينتجها المجتمع نفسه وذلك بانتقاده لبعض قواعد السلوك الشاذة ويعدها جريمة، ومن ثم يعد من يسلك هذا المسلك مجرمًا، وعندما يقوم أي مجتمع بالقضاء على ظاهرة الجريمة نهائيًا فإن المعيار الذي يفصل بين العمل الممنوع والعمل المشروع ينعدم، أي أن الضبط الاجتماعي ينعدم، وهذا يستحيل تحقيقه إلا في مجتمع مثالي [1] .
إلا أنه يؤخذ على هذه النظرية إهمالها لكثير من المجتمعات التي لا يمكن تطبيق التقسيم السابق عليها، إضافة لاعطائها للعقل الجمعي دورًا كبيرًا دونما اعتبار لضوابط أُخَر موجودة داخل المجتمع، كذلك يؤخذ على النظرية تهميشها لدور الفرد وتعظيمها لدور المجتمع على الرغم من أن الفرد هو أساس المجتمع و أداة التغيير فيه.
(ب) ... نظرية التقليد عند (تارد) :
خرج هذا العالم الفرنسي (جبريل تارد) بهذه النظرية ردًا على نظرية لمبروزو البيولوجية في تفسير الانحراف، فـ (تارد) يرى أن التقليد، هو: أساس تعلم السلوك، أيًّا كان هذا السلوك، فالانحراف لدى (تارد) ينتشر بانتقاله من فرد إلى فرد أو من طبقة اجتماعية إلى طبقة أخرى من خلال المحاكاة أو التقليد، وتتم عملية المحاكاة تلك باتصال الأشخاص بعضهم ببعض وفق قوانين ثابتة، ويمكن التمثيل على ذلك بزحام بشري في مكان ما، فإن الأفراد المكونين للحشد متباينين ولا يعرف بعضهم البعض، بل اجتمعوا بدافع الفضول، وبعد حدوث أيّ انفعال من أحد أفراد المجموعة فإنه ينتقل إلى بقية الحاضرين مما يؤدي إلى انفعالهم وتحركهم جماعيًا وهذا يُعَدُّ سلوكًا جماعيًا نشأ بسبب التقليد [2] .
(1) إبراهيم الطخيس. دراسات في علم الاجتماع الجنائي، دار العلوم للطباعة والنشر، الرياض 1405هـ. ص. 81 - 82.
(2) إبراهيم الطخيس. مرجع سابق ص. ص. 88 - 89.