هذه الدراسة يحكمها الإطار الاجتماعي، لذا سيكون منطلقها النظريات الاجتماعية التي حاولت تفسير الانحراف من خلال التركيز على العوامل الاجتماعية وعلاقتها وتأثيرها على الانحراف، وأبرز هذه النظريات:
(أ) ... نظرية دور كهايم (اللامعيارية) :
لقد حاول (إميل دور كهايم) تفسير الانحراف من خلال نظرته للعلاقة بين الفرد والمجتمع، فهو يرى أن تلك العلاقة يحكمها نوعان من الأسس:
? النوع الأول: التضامن الآلي: ويتمثل في تكاتف بين أفراد المجتمع وتعاون، يفرضهما (العقل الجمعي) بسبب التشابه والتماثل في أعضاء ذلك المجتمع ووحدة مشاعر أفراده ومعتقداتهم وأفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم، وهذا النوع يوجد في المجتمعات البدائية البسيطة لخضوع أفرادها لمثل هذه المعتقدات والأفكار .... وفقدانه لذاتيته في التغيير.
? النوع الثاني: التضامن العضوي: وفي هذا النوع يظهر التمايز بين أفراد المجتمع في مشاعرهم ومعتقداتهم وأفكارهم ولكل منهم حرية التعبير، مما يحدث نوعًا من الاختلاف في الوظائف والعلاقات بين أفراده، وبالتالي تقل سيطرة العقل الجمعي ويمكن ملاحظة هذا النوع من التضامن في المجتمعات المتطورة ماديًا.
ومن خلال النوع الثاني من التضامن يبرز في المجتمع حالة من الاختلال في المقاييس والمعايير الاجتماعية التي تساعد على التنبؤ بالسلوك المرغوب فيه من أفراده، حتى يصل الأمر إلى انهيار كامل لتلك المعايير وظهور وضع اللامعيارية (الانومي) ، ونتيجة لذلك الوضع الجديد تنطلق شهوات الفرد المحررة من كل قيد فيرتكب أفعالًا تتعارض مع النظام العام للمجتمع.