تطالعنا جملة من الأدوات بهذا النمط، من ذلك مثلًا"أن"عندما تحتمل التفسير وغيره. قال تعالى: [وَإذْ أَوْحَيْتُ إلَى الْحَوَاريِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي] [1] . يحتمل في"أن"اعتبارها تفسيرية، لأن قاعدة أن المفسرة محققة في هذا التركيب، وهي أن تسبق بجملة فيها معنى القول من غير حروفه، وتليها جملة، ويحتمل أيضًا أن تكون حرفًا مصدريًّا، تؤول وما بعدها بمصدر على إسقاط الجار [2] ، لأنه، كما هو معروف، يطرد إسقاط الجار قبل"أن"... المصدرية [3] . وبذلك نرى أن هذا الشاهد لم يخرج على قاعدة حتى اقتضى تعددًا، لأن الأوجه التي احتملها مطردة، ثم إنه ليس هناك مؤثر سياقي أدّى إلى ذلك، لأن هذا التركيب يحدث فيه أينما وقع. ولا يختلف الأمر في قوله تعالى: [وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ] [4] . تحتمل"أن"التفسير، وتحتمل أن تكون المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها في موضع الخبر [5] ، والوجهان مطردان في مثل هذا التركيب.
كما يحدث ذلك في الأداة"ما"عندما تحتمل الموصولية وغيرها. قال تعالى: [وَمَا بِكُم مَّن نعْمَةٍ فَمِن اللهِ] [6] . تحتمل"ما"أن تكون شرطية وأن تكون موصولة [7] ، وإذا كان سياق القرآن الكريم يرجح الشرطية لما تفيده من بلاغة من خلال الجزم فإن ذلك لا يلغي الوجه الثاني، لأن الترجيح لا يلغي الجواز، فالوجهان محتملان في مثل هذا التركيب. وقال تعالى: [الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنَّا وَلاَ أَذى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ] [8] . تحتمل"ما"أن تكون موصولة، أي الذي أنفقوه، وتحتمل المصدرية فتؤول وما بعدها بمصدر في موضع المفعول به،
(1) . سورة المائدة، الآية"111".
(2) . البحر المحيط 4/ 65.
(3) . المصدر نفسه1/ 254.
(4) . سورة الأعراف، الآية"43".
(5) . البحر المحيط 4/ 302.
(6) . سورة النحل، الآية"53".
(7) . مغني اللبيب ص389.
(8) . سورة البقرة، الآية"262".