خلا زيدًا. يصلح في المصدر المؤول من"ما"وصلتها غير وجه يطرد وقوعه هذا الموقع، وفيه رائحة المعنى النحوي الذي في المصدر المؤول، لذلك يجوز أن تكون"ما"وصلتها في موضع الحال، والمعنى قام القوم خالين عن زيد [1] ، ويصلح أيضًا معنى الظرفية الزمنية، والتقدير: قام القوم وقت خلوهم عن زيد [2] ، كما يصلح أن يكون المعنى على الاستثناء، أي قام القوم غير زيد [3] . فهذه المعاني جمعيًا ليست بالغريبة في مثل هذا التركيب عن"ما"وصلتها. ومن ذلك أيضًا ما يقع موقع المفعولية للأفعال التي تصلح للتعدية إلى مفعول واحد وإلى مفعولين. قال تعالى: [فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّار] [4] . وإن غياب القرينة التي تحدد التعدية للفعل"تعلمون"المعلق عن العمل لفظًا جعل الجملة الاسمية المصدرة باسم استفهام، باعتبار"من"استفهامية، جعلها تحتمل وجهين، فيصلح فيها أن تكون في موضع المفعولين، على أن الفعل يتعدى إلى اثنين، ويصلح أن تكون في موضع المفعول، على أن الفعل يتعدى إلى واحد، لأنه بمعنى"عرف" [5] ، ويطرد استخدام الفعل في كلا الوجهين. وهكذا يتبين لنا مما تقدم أن طبيعة اللغة تجعل أحيانًا العلاقة النحوية بين المفردات معقدة، فيولد هذا الأمر تعددًا في معاني بعض العناصر النحوية من خلال صلاحية الموقع الذي يشغله لفظ ما لغير وجه، وهو أمرٌ يتجاوز غياب الحركة الإعرابية كما نلاحظ، فيشمل العلاقة النحوية بين عناصر النظام التركيبي، ولعل الأمثلة على هذا النمط كثيرة نكتفي بما تقدم منها.
ويظهر التعدد الذي تؤدي إليه طبيعة اللغة بوجه آخر، وهو أن تتعدد معاني المبنى للفظ ما، لعدم وجود قرينة تحدد وجهًا معينًا، ويحدث هذا الأمر في الأدوات والأفعال والأسماء.
(1) . مغني اللبيب ص179.
(2) . المصدر نفسه.
(3) . المصدر نفسه.
(4) . سورة الأنعام، الآية"135".
(5) . البحر المحيط 4/ 229