جاء زيدٌ ركضًا. يصلح في"ركضًا"وجه المفعولية المطلقة للفعل"جاء"لأن هذا الأخير تشمل دلالته دلالة فعل المصدر"ركض"، ويصلح في هذا الاسم المفعولية المطلقة لفعله المحذوف الذي ناب عنه، أي يركض ركضًا، كذلك تصلح فيه الحالية أيضًا فيكون بمعنى"راكضًا" [1] . وبذلك نرى أن ما جعل اللفظ في هذا التركيب يحتمل غير وجه مطرد هو العلاقة النحوية المعقدة بين المفردات، وهذا الأمر تقتضيه طبيعة اللغة، لأن الشاهد لم يخرج على القاعدة، ولم يؤثر فيه أمرٌ سياقي.
ويحدث شبيه بذلك في الكاف التي تقع هذا الموقع. قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَاْلأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وِلاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اْلآخِرِ] [2] . تحتمل الكاف من"كالذي"في مثل هذا التركيب أينما وقع الحالية، أو المفعولية المطلقة على أنها صفة نابت عن المصدر المحذوف [3] ، والوجهان مطردان في هذا الموقع.
ولعل الأمر لا يختلف في الضمير المنفصل الواقع بين المبتدأ والخبر أو بين ما أصله مبتدأ وخبر، كما في قوله تعالى: [إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيع العَلِيمُ] [4] . يحتمل الضمير المنفصل في الآية الكريمة الفصل، لأنه وقع بين معرفتين، ويحتمل التوكيد لاسم"إنّ"الضمير المتصل، كذلك يحتمل الضمير"أنت"أن يكون مبتدأ، في موضع رفع، والاسم بعده الخبر، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع الخبر لـ"إنّ" [5] . والأوجه السابقة محتملة في مثل هذا التركيب أينما وقع، لأسباب تقتضيها طبيعة اللغة، وليس هناك قرينة حاسمة تحدد وجهًا وتلغي غيره.
وربما كان الموقع الذي يشغله تركيب ما في العبارة يصلح لغير معنى نحوي بسبب الغموض الذي تسببّه العلاقة النحوية المعقدة، من ذلك قولهم: قام القوم ما
(1) . المصدر نفسه ص729 - 730.
(2) . سورة البقرة، الآية"264".
(3) . مغني اللبيب ص782.
(4) . سورة البقرة، الآية"127".
(5) . البحر المحيط 1/ 559.