ويتجلي هذا بمظاهر متنوعة وكثيرة، من ذلك مثلًا أن يصلح الموقع الذي يشغله لفظ ما في نمط تركيبي معين لغير وجه، لعدم وجود قرينة حاسمة.
فقد يحتمل الموقع التركيبي غير وجه، يتحدد كلٌّ منها بظهور العلامة الإعرابية، وعندما تغيب هذه العلامة عن اللفظ، لأسباب تقتضيها طبيعة اللغة العربية تتعدد الأوجه. ومن ذلك مثلًا قولهم: هذا لقيته. يحتمل موقع"هذا"في التركيب وجهين مطردين، الابتداء والجملة بعده خبره، أو النصب على الاشتغال والجملة بعده مفسِّرة [1] ، وبقي التركيب في هذا المثال يحتمل الوجهين، لأن اللفظ الذي شغل الموقع لم تظهر عليه علامة إعرابية لبنائه. ومن هذا النمط قوله تعالى: [سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اْلأَعْلَى] [2] . يحتمل الموقع الذي يشغله"الأعلى"وجهين، لتعذر ظهور الحركة على الاسم، فيجوز فيه أن يكون في موضع نصبٍ، صفة لـ"اسم"الذي عُرِّف بالإضافة، ويجوز فيه أيضًا أن يكون في موضع جر صفة لـ"رب"الذي عرف بالإضافة [3] . وقال تعالى: [وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ] [4] . يتحمل موقع"أنزلناه"وجهين لعدم ظهور الحركة على الجملة، فيجوز أن تكون الجملة في موضع رفع، صفة ثانية لـ"ذكر"، ويجوز أن تكون في موضع نصب، حالًا من"ذكر"، لأنه خصّص بالوصف [5] . وربما قيل: ربّ رجلٍ صالحٍ لقيته. فدخول العامل الطارئ"رب"على الاسم المعرب"رجل"جعل الموضع يتحمل وجهين لغياب الحركة الإعرابية، وهما الابتداء، والنصب على الاشتغال [6] . وبذلك يتبين لنا مما تقدم أن غياب الحركة الإعرابية لأسباب تقتضيها طبيعة اللغة جعل الموقع التركيي يصلح لغير وجه.
وقد يصلح الموقع الذي تشغله كلمة ما لغير وجه لأسباب أوسع مما تقدم، فيكون نتيجة للعلاقة النحوية المعقدة بين المفردات في التركيب. وكأن يقال مثلًا:
(1) . مغني اللبيب ص182.
(2) . سورة الأعلى، الآية"1".
(3) . مغني اللبيب ص 722.
(4) . سورة الأنبياء، الآية"50".
(5) . مغني اللبيب ص561.
(6) . المصدر نفسه ص 182، 722.