الصفحة 14 من 61

ومما جاء مخالفًا للمطرد واقتضى تعددًا قولهم: عسى الغوير أبؤسا [1] . فالمطرد في عسى ألا يأتي خبرها اسمًا صريحًا، وجاء هذا المثل مخالفًا للمطرد، فخرِّج بأوجه، منها ما ذكره سيبويه، وهو أن عسى أجريت مجرى كان في الاستخدام فجاء منصوبًا [2] . وخرجه المبرد بتقدير"أن"والفعل الناقص، أي أن يكون أبؤسًا [3] ، فجعل الاسم المنصوب خبرًا لـ"كان"المقدرة. وخرجه ابن هشام (ت761هـ) بأن قدر الفعل الناقص يكون، أي يكون أبؤسا [4] . فتعددت الأوجه بهذا المثل الذي تجلى بأسلوبٍ لم يطرد.

وهكذا يتبين لنا مما تقدم أن القاعدة النحوية قسمان، أحدهما متفق عليه، والآخر مختلف فيه، وأن ما خرج على القاعدة المتفق عليها واقتضى تعددًا شواهد كثيرة، بعضها مطرد، وبعضها الآخر غير مطرد، وهذا الأخير يتشعب التعدد فيه ويتعقد، بسبب القواعد المختلف فيها عند النحاة التي يُوَجَّه غير المطرد في ضوئها.

ثانيًا- طبيعة اللغة:

لعل الظواهر الإنسانية لا تخضع في أثناء دراستها لأحكام حاسمة، وذلك لأنها تعكس طبيعة الإنسان المعقدة والمحيرة، ففيها ما فيها من أمورٍ خفية يبقى العلم يلاحقها، وتبقى رؤيته لها ضعيفة ينتابها الشكُّ والتردد. وإذا كانت اللغة أهم الظواهر التي تعكس طبيعة الإنسان فإنه ما من غرابة في أن تطالعنا أحيانًا بعناصر تركيبية محيرة، لا يعرف لها وجه محدد، ولا يمكننا أن نجد لها أسبابًا سوى طبيعة اللغة [5] ، إذ تواجهنا هذه العناصر المحيرة بعبارات لم تخرج على القاعدة، ولم يؤثر فيها أمرٌ سياقي.

(1) . يُروى عن الزباء، وقيل: قالته عندما علمت أن قصيرًا بات مع رجاله في غارٍ صغير في طريق عودته من العراق، انظر: الميداني، أبو الفضل أحمد: مجمع الأمثال2/ 341.

(2) . كتاب سيبويه3/ 158 - 159.

(3) . المقتضب3/ 70.

(4) . مغني اللبيب ص203.

(5) . يذكر داود عبده أن الغموض في البنية التركيبية أمرٌ شائع في مختلف اللغات الإنسانية، انظر: التقدير وظاهر اللفظ ص7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت