ومما خالف المطّرد واقتضى تعدّدًا شواهد كثيرة جاءت في الشعر، وذلك أنّ لغة الشعر بنظامها غير المألوف الذي يتجلّى بالإيقاع والتكثيف وغيره تختلف عن لغة النثر [1] ، ومن ثم رأى سيبويه أن الجوازات التركيبية الخاصّة بالشعر التي خرجت على المطرد أكثر من أن تحصى، وعلى النحوي أن يجد توجيهًا لهذه الجوازات، لأن الشعراء لا يستخدمون أسلوبًا إلا وهم يحاولون به وجها [2] من وجوه العربية الجائزة. ونكتفي بمثال واحد من أساليب الشعر التي خرجت على المطرد واقتضت تعددًا في التحليل النحوي، قال الشاعر [3] :
صَدَدْتِ فَأَطْوَلْتِ الصُّدُوْدَ، وقَلَّمَا ... وِصَالٌ عَلَى طُوْلِ الصُّدُوْدِ يَدُوْمُ
فالمطرد في الفعل"قَلَّ"أنه إذا دخلت عليه"ما"تكفّه عن عمل الرفع، ولا يدخل حينئذ إلا على جملة فعلية صُرِّح بفعلها [4] ، وقد جاء في البيت ما خالف هذا المطرد، وأشار إليه سيبويه بأنه ضرورة شعرية، وجعله من باب التقديم والتأخير [5] ، فاعلًا للفعل المؤخر"يدوم". غير أن الفاعل لا يتقدم على فعله عند البصريين، فقدَّرُوا له فعلًا من جنس المذكور [6] . وعن المبرد أن ..."ما"زائدة لا كافة، و"وصال"فاعل للفعل"قلّ" [7] . وذهب آخرون أن"وصال"مبتدأ، وأناب الشاعر الجملة الاسمية مناب لفعلية [8] . وبذلك تعددت الأوجه فيما جاء مخالفًا للمطرد في الشعر.
كذلك تطالعنا الأمثال بما خرج عن المطرد، وهو أمرٌ ليس بالغريب، فالمثل معرض للحذف استغناءً بمعرفة المراد، وذلك لكثرة دورانه على الألسنة [9] ،
(1) . عبد اللطيف، محمد حماسة: الجملة في الشعر العربي ص50 - 51.
(2) . كتاب سيبويه 1/ 26، 32.
(3) . البيت من ديوان عمر بن أبي ربيعة من الشعر الذي نسب إليه، انظر: ديوانه ص494.
(4) . مغني اللبيب ص403.
(5) . كتاب سيبويه1/ 31.
(6) . مغني اللبيب ص403.
(7) . المصدر نفسه، وفي المقتضب لم يوضح المبرد ما نُسب إليه، انظر: المقتضب 1/ 84.
54.مغني اللبيب ص 403.
(8) 55. كتاب سيبويه 1/ 284.