القواعد النحوية التي يوجه الشاهد في ضوئها، وهي تختلف من نحوي إلى آخر في كثير من الأحايين.
يستخدم العربي لغته، وهو في ذلك يسير وفق نظام معين تقتضيه الأنماط التركيبية لنظام اللغة التركيبي، يسير وفق هذا النظام من غير أن يدرك القواعد التي تتحكم في كلامه، وربما خرج عما تقتضيه الأنماط المطردة، فجاء بعبارات نادرة تبتعد قليلًا أو كثيرًا عن المطرد، وهو بهذا لم يأتِ بأمر مخالفٍ للطبيعة الإنسانية، لأن اللغة ظاهرة إنسانية، والظواهر الإنسانية لا يمكن أن تخضع لقواعد مطلقة. ومما جاء عمّن يوثق به من العرب وخرج على المطرد قولهم: هذا عبدُاللهِ منطلقٌ. فالمطّرد في كلام العرب أن ينتصب المشتق الذي يقع بعد الخبر الجامد إذا كان المبتدأ اسم إشارة، وقد جاء هذا الاستخدام مخالفًا للمطّرد برفع"منطلقٌ"، وقاد هذا الخروج إلى تعدّدٍ في التحليل، فعن الخليل أنّ هذا المرفوع إما أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف فيكون التأويل: هذا عبدُالله هو منطلق، وإما أن تجعل الاسمين"عبدُالله"و"منطلق"جمعيًا خبرًا عن المبتدأ اسم الإشارة [1] . ومن ثم نرى أنّ العربي الذي يوثق به ويحتجّ بلغته استخدم نمطًا غير مطّرد، وقاد هذا الأمر إلى تعدّد في التحليل النحوي.
وقد كان لاختلاف اللهجات أثر واضح في كثير من الشواهد التي تطّرد وتعددت الأوجه في تحليلها، فالاختلافات اللهجية أمرٌ طبيعي عند أي جماعة لغوية، لأنه كلّما تعدّدت الأمكنة التي يقطنها أبناء اللغة الواحدة تعدّدت اللهجات لتلك اللغة [2] ، وإذا كانت اللهجات العربية متقاربة من حيث الخصائص العامة لانتمائها إلى أمّ واحدة هي الفصحى فإنّ هذا التقارب لا يعني التطابق والتماثل، بل يبقى لكلّ لهجة بعض الظواهر التي تميّزها من غيرها [3] . واقتضى المنهج النّحوي أن تراعى اللهجات العربية في أثناء عمليّة التقعيد للّغة الفصحى، فأصبحنا
(1) . كتاب سيبويه2/ 83.
(2) . دى سوسِّر، فردينان: محاضرات في الألسنية العامة ص244.
(3) . نظام الجملة عند اللغويين في القرنين الثاني والثالث للهجرة2/ 477، وللمزيد انظر مثلًا: أنيس، إبراهيم: في اللهجات العربية ص10 - 24.