وقديمًا كان الاجتهاد في الفقه الإسلامي معركة فكرية تكشف معالم الحس والجمال وجودة الفهم والاستنباط والدقة في الفقه والتقرير ، ولم تكن تلك الخلافات إلا نوعًا من تفاوت الفهوم والدلالات والإيحاءات ، وكان الشيوخ في حلق العلم يتفرسون النجابة والذكاء في التلاميذ فيصنفونهم ويوجهونهم حسب الصفات والاستعدادات ، وقد رأينا ثمرات هذا الاصطفاء لما وصل إلينا من نفائس الكتب والمجلدات التي لا يزال الناس عيالًا عليها، ويدركون من خلالها الارتقاء الفكري عند أولئك الرعيل ، وقد كان مجلس أبي حنيفة النعمان ملتقىً فكريًا نادرًا ، يجمع الصفوة وفيهم الفقيه والمحدث والأصولي ، واللغوي والنظار ، والمفسر ، أشبه ما يكون بالبرلمان ، لكن أعضاءه من نوابغ الدهر كما يقول الطنطاوي.
والمتأمل لمشاركات الناس ومصنفاتهم قديمًا وحديثًا يدرك أمارات الفروق والتفاوت واختلاف نسب القوة والضعف والجودة والرداءة والحسن والقبح ، وذا لصاحب التفكير المتميز ومن دونه يخرج بانطباعات معوجة وفتاوى غير سديدة وقد لا يدرك هذا الصنف أخطاءهم وتصوراتهم ، وإن أدركوا تعذر الاعتراف والتصريح بارتكاب الغلط لما في النفوس من حب الشرف والتفوق والبعد عن الهزيمة والانخفاض لكن بالاحتكاك والإلقاء والعرض على أهل المعرفة والخبرة ، تبين للإنسان قيمة ما يحمل وما يطرح ، والرزانة والصمت هو أحسن ما يتحلى به هؤلاء ، وليسعوا إلى التطوير والتحسين بالوسائل المعروفة في ذلك.
*…ومن مظاهر أزمة الفهم عمومًا:
1.التصور القاصر عن واقع الحياة والدعوة وقضايا الفكر والخلاف.
2.الجمود والسطحية في الأفكار والطروحات والمشاركات.
3.إلقاء الكلام على عواهنه, والاستعجال في إطلاق الأحكام واتخاذ القرارات.
4.ترك الإجمال في موضع التفصيل ، والتفصيل موضع الإجمال.
5.فقدان النظرة التفصيلية في القضايا الشائكة والمعقدة.
6.إقصاء الموضوعية الصحيحة في مسائل العلم والدعوة والنقد والخلاف.