وقل مثل ذلك في زواجه بجويرية، فقد كانت من الأسيرات في غزوة بني المصطلق، في شهر شعبان من السنة السادسة الهجرية (1) ، فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إكرام هذا الصنف من النساء، فسوى بينهن وبين الحرائر، وضرب للناس أروع الأمثلة على سماحة الإسلام، فأزال من الأذهان ما كان قد علق بها من احتقار للإماء، واتخاذهن فقط للبيع أو للخدمة، وحرمانهن من نعمة العتق إلا بالمكاتبة وشراء أنفسهن من مالهن، فتعلم المسلمون من هذه الزيجة كيفية صيانة سيدات الأسر الكريمة بين قومها، ورحمة عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر، وقد زخر التاريخ الإسلامي بعد هذا بالسبايا اللائي تزوجهن أسيادهن من الخلفاء والأمراء والسادة والكبراء، وأنجبن الخلفاء والأمراء والقادة والعظماء وتأمل ذلك في تاريخ خلفاء بني العباس (2) .
وهناك حكمة سياسية أخرى مهمة تظهر في زواج رسول الله بأم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب وهي الرد على تهمة عنصرية النبي والإسلام ضد اليهود أو غيرهم، وكان ذلك (أي زواجه بأم المؤمنين جويرية) إثر هزيمتهم في خيبر عام 6 هـ وقيل 5 هـ (3) ، فقد دل هذا الزواج على أن العنصرية لم تكن واردة في قاموس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السياسي والاجتماعي، وإلا فكيف يتزوج من ابنة زعيم من زعماء اليهود مات هو وزوجها وأخوها في صراعهم ضده - صلى الله عليه وسلم - (4) .
رابعا: الحكمة الاجتماعية:
(1) انظر: الدرر في اختصار المغازي والسير ليوسف بن عبد البر النمري ج 1 ص 188 ط دار المعارف القاهرة 1403 هـ.
(2) انظر: السيرة النبوية وفق المصادر الأصلية لمهدي رزق الله، ص 704 ط مطبعة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية - السعودية 1412 هـ.
(3) راجع اختلاف العلماء في تاريخ غزوة خيبر في: الدرر في اختصار المغازي والسير ج 1 ص 197 و السيرة الحلبية ج 2 ص 726.
(4) المصدر نفسه ص 708.