المستشرقين مع عدم قربهم من بيئة الإسلام، ومع ذلك فهناك نفر من أبناء الإسلام ممن ينعتون أنفسهم بأنهم «مجددون» يجاهرون بإنكارهم لهذه الحقيقة! وهم يدّعون أن الإسلام ليس إلا مجرد «دعوة دينية» (1) ، يريدون بذلك أنه ليس إلا مجرد اعتقاد أو صلة روحية بين الفرد وربه، فلا تعلق له إذن بهذه الشؤون التي نصفها بأنها مادية في هذه الحياة الدنيا، ومن بين هذه الشؤون: مسائل الحرب والمال، وفي طليعتها أمور السياسة، ومن أقوالهم: «إن الدين شيء والسياسة شيء آخر» .
وليس من المجدي من أجل الرد على هؤلاء أن نروي لهم أقوال علماء الإسلام، فقد لا يستشعرون أنهم مقتنعون بما يقولون، ولا أن نبدأ بذكر حقائق التاريخ، فقد يعمدون إلى المكابرة فيها، ولكن يكفي أن نثبت جملة مما قال علماء الاستشراق في هذا الصدد، وقد بينوا آراءهم في عبارات صريحة قاطعة، لأن هؤلاء المجددين لا يستطيعون أن يزعموا أنهم أوثق منهم صلة بالعصر الحاضر، ولا أكثر قدرة على استعمال أساليب البحث الحديثة، واستخدام الطرق العلمية، فهذه إذن طائفة من أقوالهم:
1 -يقول الدكتور «فتز جرالد» (DR.V.FITZGERALD) (2) : «ليس الإسلام «دينا» فحسب (a religion) ، ولكنه، «نظام سياسي أيضا» ، «a political system» ، وعلى الرغم من أنه قد ظهر في العهد
(1) في مقدمة المجاهرين بهذه الآراء والمدافعين عنها: الأستاذ علي عبد الرازق، القاضي الشرعي السابق بالمنصورة، ثم وزير الأوقاف فيما بعد - في كتابه الذي نشره عام 1925 بعنوان: «الإسلام وأصول الحكم» ، وفوق هذه الردود التي نعرضها الآن، سنعود إلى مناقشة آرائه والرد عليها بالتفصيل، في خلال الفصول القادمة. انظر - بصفة خاصة - الفصل الرابع من كتابنا هذا تحت عنوان: «الرد على دعاوى بعض المعاصرين» من تعليق د. الريس.