-وأذيتهم بجعل الطريق مجلسَ تفكُّهٍ وانتعاش وخوض فيما لا ينفع وفي أمور ضررها أكبر من نفعها، وذلك أيضا لا يجوز، والله المستعان.
وغُضَّ ذي العينين في الطريق ولا تكن كجالب الحريقِ
وهنا ذكر أدبًا مهمًّا يدل على صدق التدين وتمام استقامة الناسك؛ وهو غض البصر؛ فالحج فيه نساء ومردان، ويحصل التداني والاجتماع، وقد قال تعالى: ( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ( «المؤمنون» ، وقال: ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ (.
وذا هو الأدب السابع والثلاثون وهو شامل للجنسين، فإنه يحرم النظر لمواطن الشبهات.
وقال الناظم معللًا ذلك:
.ولا تكن كجالب الحريقِ
من جاء للتمحيص والمبرور فعاد بالأوزار والشرورِ
أي أن النظرة المحرمة تحرق صاحبها، وتُذهب صفوه وهو قد جاء لتمحيص الخطايا، وليحوز بر الحج. وللأسف باء بالأوزار وبالشرور؛ لأن من عواقب النظرة المحرمة أنها ذريعة للفاحشة وتوهن الإيمان في القلب، وتورث محبة الصور، وتعكر صفو الطاعة والإقبال عليها. وقد صح في الحديث: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس» . ولما سئل ( عن نظر الفجأة قال: «اصرف نظرك» . وقال (: «لك الأولى وليست لك الأخرى» .
نعوذ بالله من الضياع للمال والجهد وللمتاعِ
لا ارتباب أن من أتى ليقلب نظره في المحرمات أو قارف سيئات قد أضاع نفسه، وأودعها مستودع التباب والضياع، وحصلت له صور من الضياع:
-أضاع ماله الذي بذله في الحج.
-وأضاع جهده بفعل المناسك وهو ملطخ بالمعصية.
-وأضاع متاعه الذي تكلف به، ولكن لم تطب الحجة، ولم تحسن الرحلة والعياذ بالله.
ثم شرع الناظم في إيضاح الأدب الثامن والثلاثين وهو ما عناه بقوله:
وإنْ تبع فحاذر الحراما والغش والتدليس والإيهاما
نبهّ هنا على مسألة مهمة، وهي بيع الحاج وشراؤه في أثناء أداء المناسك هل يجوز؟