فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 19

والثاني: يفعله كل ناسك قذف الله في قلبه الرحمة: وهو رحمة المسنين والمهينين أي: الشيوخ الكبار والأشخاص الممتهنين ممن يمتهنهم الناس لحرفهم أو لفقرهم أو لأحوالهم، وما أكثر هذان الصنفان في الحج، إذ المناسك تكتظ بفقراء بلا مأوى وبلا مطعم وتغص بكبار عجزة، وبأقوام ويحتقرهم الناس، فمن لهؤلاء إلا أصحاب الأيادي الندية، والقلوب الرقيقة، الذين يحتسبون فيهم الأجر والثواب. قال (: «من لا يرَحم لا يُرحم» .

ورُوِّينا في الحديث المسلسل بالأولية: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» .

وهذان هما الأدبان الواحد والثلاثون والثاني والثلاثون. ثم قال الناظم بعد ذلك:

تسير في تواضع كبير وليس في تبختر مثير

وهنا نبه على أدب مهم يحمله المسلم على كل حال، وفي الحج تشتد الحاجة إليه؛ لأن الموضع موضع سكينة وأدب وليس عجلة وترفع، وهو خلق التواضع، فإذا مشى تواضع وعليه السكينة، ولا يمشى مِشْية المتكبرين المتبخترين.

قال:

* تسير في تواضع كبير *

أي: التواضع مع هدوئه ولطافته، يعليك ويجعلك كبيرًا إذا صدقت الله. وفي الحديث: «وما تواضع عبد لله إلا رفعه الله» .

ثم قال:

* وليس في تبختر مثير *

لما كان اجتماع الناس باختلاف أجناسهم ومراتبهم مدعاة ليتعالى بعضهم، أو يتجبر آخرون، نبه على قبح السير بتبختر وتكبر؛ لأنه ليس من أخلاق الأنبياء ولا أتباعهم، قال الرحمن في وصفه لعباده: ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا ( «الفرقان/63» .

ثم وصف ذلك التختر بأنه مثير، يُلفت انتباه الناس لاسيما الفقراء والضعفة، وسبب إثارته تعود إلى غرابته واستنكار الناس له، ولأنه ليس على طبيعة الناس المعروفة، وغالبًا من يبتلى به ذوو الولايات وأصحاب الثراء، والله المستعان. وهنا اكتمل الأدب الثالث والثلاثون.

مذللًا لله في المناسك وليس كالشريد والمُعارك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت