هل استمرت تلك التجربة؟ للأسف لم تؤثر كثيرًا ولم تفلح في جعل المؤلف يعود لهذا العالم الحبيب البعيد، ويوظف طاقته وكفاءته في ربط البعيد بالقريب وإحياء هذه الأمة على أساس من دينها وشخصيتها المتميزة .
"كانت تلك التجربة مجرد حالة نفسية عارضة ما لبثت أن تبددت لدى وصولنا إلى جبل طارق"لقد استحكم فيه الابتعاد عن هذه الوجهة، بحيث أضحى مجرد القرب منها انهيارًا للاستحكامات الداخلية وهروبًا من الحاضر.."ولست أدري حتى اليوم ما مكنني من مقاومة هذا الجذب السلفي ورفض أوهام الطفولة والسير في طريق العقل الموضوعي".
مرة أخرى في صفوف القوميين:
انخرط د. شرابي فور وصوله إلى بيروت في أوائل 1949م في نشاطات الحزب القومي السوري، وتبوأ فيه مركزًا مقربًا من زعيمه أنطون سعادة، وكانت سنة 1949م حُبلى بالأحداث التي تركت آثارها العميقة على الحزب القومي السوري، فقد عانى زعيمه من الإحباط بسبب ضعف الإقبال الجماهيري على الحزب، في نفس الوقت الذي تمكنت من نفسه عقدة التحدث عن الحزب"وكأنه دولة قائمة على وشك أن يتسلم الحكم.. وكان يسلك في تصرفه الشخصي وفي مواقفه العامة سلوك رجل الدولة"واستمر بسبب ذلك في استفزاز الدولة اللبنانية وتحديها، فكانت النتيجة في رأي المؤلف أن"تمكنت القوى الطائفية والإقطاعية والرجعية والتي كانت تتصارع فيما بينها باستمرار، من الإيقاع بالحزب والتخلص من أنطون سعادة"ويستمر د. هشام شرابي في تحليل فشل الحزب في تعاطف واضح لم تذهب به السنون"كان الحزب نخبويًا في تركيبه ونظامه بعيدًا كل البعد عن المنظور الطبقي.. رفضنا المفهوم الطبقي لأنه يناقض المفهوم القومي وينفي نظرية الأمة، وهكذا حجب ضم الأمة حقيقة الجماهير عن ناظرنا…".