الصفحة 24 من 134

درس الدكتور شرابي في مدرسة الفرندز التنصيرية، والفرندز أو الكويكرز جماعة نصرانية تركز في دعوتها على النواحي الأخلاقية والتعليمية، وتهتم بإنشاء المدارس والمستشفيات للوصول إلى أهدافها في نشر النصرانية، واقتصرت تجربة المؤلف الدينية إلى جانب ذلك، على ما حبته به جدته الورعة المصلّية -أهي الوحيدة بين أسرته، لا يعطينا الكتاب إشارات غير ذلك- من حنان وتوجيه ديني…"وكان يؤلمها تقاعسي في القيام بالفرائض الدينية.. وحاولت مرة، عندما كنت في العاشرة أو الحادية عشرة، إصلاح أموري الدينية بالأسلوب المباشر -كانت تلك المحاولة الأولى والأخيرة- فأرسلتني إلى الشيخ لأتعلم أصول الدين، ولسبب لا أعرفه حتى اليوم جعل الشيخ موعد درسنا عند الفجر من كل يوم، فكنت أستيقظ كل يوم في الساعة الرابعة -أراحك الله- أو ما يقاربها وظلام الليل ما يزال مخيمًا… ولم تدم دراستي الدينية طويلًا، وكان سبب انقطاعها رفضي التيمم.."الذي قدمه له الشيخ تقديمًا غير موفق، مما جعل جدته لا تلح عليه بالعودة للشيخ فقد"خافت إن استمر الشيخ في تلقيني، أن أفقد ما تبقى في نفسي من إيمان".

لا غرابة إذًا مع طفولة وبيئة كهاتين إضافة إلى دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت -وهي على ما قدمنا- أن يبتعد مؤلفنا وأمثاله شيئًا فشيئًا عن ثقافة الأمة ومشاكل ذاته وشخصيتها المستقلة وأن تكون معالجته لقضاياها معالجة مبتسرة مستعارة المقاييس والمفاهيم.

إعادة نظر للمواقف:

وفي شيكاغو أقبل د. شرابي على الدراسة بنشاط ودأب، مستفيدًا من الجو الأكاديمي المحايد نسبيًا، والذي تباين تباينًا واضحًا مع أجواء الجامعة الأميركية الموجهة"وما إن مرت بضعة أشهر حتى ابتدأت أستوعب مبادئ الثقافة الليبرالية النقدية التي فشلت الجامعة الأميركية في تلقيني إياها. وبدأت أتقن أيضًا ذلك الفن الصعب: فن القراءة وفن الإصغاء".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت