هكذا كان الهدف الأساسي لعملية تثقيفنا في الجامعة.. يقوم على تطويعنا وإخضاعنا نفسيًا.. كانت حصيلة دراستنا الجامعية أن خضعنا لسلطة الكلمة المطبوعة كما خضعنا لسلطة الكلمة المسموعة، فأصبحنا مشلولي الفكر تجاه ما نقرأ، وبخاصة إذا كان مصدره أجنبيًا).
أما البحث العلمي والروح النقدية وتقوية التفكير المنهجي فهو أمر ثانوي ربما لأن هدف الجامعة -آنذاك؟!- هو استلاب عقول النخبة من الطبقات الرئيسة في المجتمع، وتخريج جيل من أبنائها ييمم وجهه شطر حضارة الرجل النموذج الغربي (المتحضر) .
وقد لاحظ د. شرابي بعد ذهابه إلى شيكاغو الفرق بين مناهج الجامعة الأميركية في بيروت وجامعة شيكاغو.. (أستطيع القول بصدق إنه خلال سنواتي الجامعية لم يرشدني أحد من أساتذتي حول أسلوب البحث الصحيح ولم أتلق مرة نقدًا أو تحليلًا في أي بحث قدمته، وتخرجت من الجامعة وأنا أكاد لا أعرف معنى المنهجية أو البحث بمعناه الصحيح.. فنشأ عندنا الشعور أن الفكر الصحيح إنما هو الفكر المدعوم بقوة الحس وحسن اللغة، لا بقوة النقد والتحليل.. واكتشفت جهلي بعد أسابيع قليلة في جامعة شيكاغو) .
إرهاب فكري في جامعة بيروت:
من كان يستطيع المخالفة في جو إرهاب فكري كهذا الجو، وكيف يتمكن من الاعتزاز بأمته ورسالتها السامية؟، وهو يلقن صباح مساء الأفكار التغريبية من لدن جهاز تدريس صليبي متعصب أو تغريبي متعال، فلا يُسمح للطالب بالنقد ولا بالاعتراض على ما يقدمه أساتذته من معلومات ومعطيات. إن مفهوم الحرية والمنهج العلمي لدى أئمة التغريب لا يطبق إلا عند توجيههما -بأساليب ملتوية- إلى صدر هذه الأمة ومبادئها.
هل يستطيع الطالب أن يعترض ؟ وما المصير الذي ينتظره؟ (كان التهكم هو السلاح الفكري الأشد فتكًا في يد أساتذتنا، وكانوا لا يتورعون عن استعماله في جميع المناسبات. وما أسهل أن يحطم الأستاذ في قاعة الدراسة كل ما يتعارض مع اعتقاداته وميوله) .