والماضي التاريخي لأمريكا -إذا استثنيا إبادة الهنود الحمر- لا يشجع هذه الدولة كثيرًا على التدخل العسكري المباشر، وقد بقي الرأي العام الأمريكي ميالًا للعزلة والمسالمة حتى وقع الهجوم الياباني على بيرل هاربور، فتحول هذا الرأي العام إلى تأييد الحرب ووقف التوسع الياباني الألماني، وكانت تلك بداية زعامة أمريكا للمعسكر الغربي ونهجها سياسة تعتمد على التدخل الفعال في شؤون الدول الأخرى للمحافظة على استغلالها لثروات هذه الدول وخيراتها وهو ما تسميه الدول العظمى بالمصالح الحيوية.
ولئن كان تاريخ التدخل الأمريكي العسكري والدبلوماسي السافر المستتر يعود إلى الخمسينات من هذا القرن، فإن النشاط الثقافي والتبشيري الأمريكي يعود قبل هذا إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين أنشأت الإرساليات التنصيرية المدارس والمستشفيات حيثما تمكنت في أنحاء العالم الإسلامي مثل استانبول والقاهرة وبيروت وإيران والخليج والهند وفلسطين.
العلم مقابل الانسلاخ !!
ولعل أبرز نجاح حققته هذه المراكز التعليمية هو بيع الجيل الناشئ العلم والمعرفة مقابل الانسلاخ عن جذوره الثقافية والتخلي عن شخصيته المميزة، والذوبان والتبعية لثقافة هذه المراكز وحضارتها.
ولعل كذلك أبرز هذه المراكز نجاحًا في أداء هذا الدور الجامعة الأمريكية في بيروت، حيث نَشَّأت هذه الجامعة جيلين أو ثلاثة أجيال بدت فيها النزعة التغريبية واضحة المعالم وظهرت آثارها المدمرة عندما تولت النخبة التي تخرجت من هذه الجامعة مقاليد كثير من الأمور في عدد غير قليل من بلدان العالم العربي والإسلامي.