الصفحة 17 من 31

معه إحفاء. واحتج من لم ير إحفاءه بحديثي عائشة وأبي هريرة المرفوعين (عشر من الفطرة ... فذكر منها قَصَّ الشَّارب) (56) . وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه (الفطرة خمسٌ ... ) (57) وذكر منها قص الشارب.

واحتج المحفون بأحاديث الأمر بالإحفاء، وهي صحيحة، وبحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَجُزُّ شاربه (58) . قال الطحاوي: وهذا الأغلب فيه الإحفاء، وهو يحتمل الوجهين. وروى العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه (جُزُّوا الشَّواربَ، وأرْخُوا اللِّحَى) (59) . قال: وهذا يحتمل الإحفاء أيضًا، وذكر بإسناده عن أبي سعيد، وأبي أسيد، ورافع بن خديج، وسهل بن سعد، وعبدالله بن عمر، وجابر، وأبي هريرة أنهم كانوا يُحفون شواربهم. وقال إبراهيم بن محمد بن حاطب: رأيت ابن عمر يُحفي شاربه كأنه يَنْتِفُه. وقال بعضهم: حتى يُرى بياض الجلد". اهـ (60) ."

والذي يظهر ــ والله أعلم ــ أن حلق الشارب غير مشروع بل هو مكروه، قال الحافظ ابن عبدالبر رحمه الله:"إنما في هذا الباب أصلان، أحدهما: أحفوا الشوارب، وهو لفظ مجمل محتمل للتأويل، والثاني: قصوا الشوارب، وهو مفسر، والمفسر يقضي على المجمل ... ، وهو عمل أهل المدينة، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب"اهـ (61) .

على أن إحفاء الشارب يحتلم أن يراد به القص والاستئصال الذي لا يستوعب جميع شعر الشارب، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وكان ابن عمر"يحفي شاربه حتى ينظر إلى بياض الجلد" (62) ، لكن كل ذلك محتمل لأن يراد بن استئصال جميع الشعر النابت على الشفة العليا، ومحتمل لأن يراد به استئصال ما يلاقي حمرة الشفة من أعلاها ولا يستوعب بقيتها، نظرًا إلى المعنى في مشروعية ذلك وهو مخالفة المجوس، والأمن من التشويش على الآكل وبقاء زهومة المأكول فيه، وكل ذلك يحصل بما ذكرنا، وهو الذي يجمع مفترق الأخبار الواردة في ذلك، وبذلك جزم الداودي في شرح أثر ابن عمر المذكور، وهو مقتضى تصرف البخاري؛ لأنه أورد أثر ابن عمر وأورد بعده حديثه وحيث أبي هريرة في قص الشارب، فكأنه أشار إلى أن ذلك هو المراد من الحديث"اهـ (63) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت