الصفحة 17 من 25

وأما التقدير الثالث: وهو أن يقال إنها تتحلل كما يتحلل المحصر ، فهذا أقوى ، كما قال ذلك طائفة من العلماء ، فإن خوفها منعها من المقام حتى تطوف ، كما لو كان بمكة عدو منعها من نفس الطواف ، دون المقام على القول بذلك ، لكن هذا القدر لا يسقط عنها فرض الإسلام ، ولا يؤمر المسلم بحج يحصر فيه ، فمن أعتقد أنه إذا حج أحصر عن البيت ، لم يكن عليه الحج ، بل خلو الطريق وأمنه ، وسعة الوقت: شرط في لزوم السفر باتفاق المسلمين .

وإنما تنازعوا هل هو شرط في الوجوب ، بمعنى أن مالك الزاد والراحلة مع خوف الطريق ، أو ضيق الوقت ، هل يجب عليه ؟ فيحج عنه إذا مات ؟ أو لا يجب عليه بحال ؟ على قولين معروفين . فعلى قول من لم يجعل لها رخصة إلا رخصة الحصر يلزمه القول الرابع وهو أنها لا تؤمر بالحج ؛ بل لا يجب ولا يستحب ، فعلى هذا التقدير يبقى الحج غير مشروع لكثير من النساء ، أو أكثرهن في أكثر هذه الأوقات ، مع إمكان أفعالها كلها لكونهن يعجزن عن بعض الفروض في الطواف .

ومعلوم أن هذا خلاف أصول الشريعة ، فإن العبادات المشروعة إيجابًا أو استحبابًا ، إذا عجز عن بعض ما يجب فيها ، لم يسقط عنه المقدور لأجل المعجوز ، بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) )وذلك مطابق لقول الله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم } ومعلوم أن الصلاة وغيرها من العبادات التي هي أعظم من الطواف لا تسقط بالعجز عن بعض شروطها ، وأركانها فكيف يسقط الحج بعجزه عن بعض شروط الطواف وأركانه ؟!

ومثل هذا القول أن يقال: يسقط عنها طواف الإفاضة ، فإن هذا خلاف الأصول ، إذ الحج عبارة عن الوقوف والطواف ، والطواف أفضل الركنين وأجلهما ؛ ولهذا يشرع في الحج ، ويشرع في العمرة ، ويشرع منفردًا ، ويشترط له من الشروط مالا يشترط للوقوف ، فكيف يمكن أن يصح الحج بوقوف بلا طواف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت